واقعًُُ مريرَُ للنساء العاملات في معامل الطابوق

السبت 28 أيلول 2019 412

  واقعًُُ مريرَُ للنساء العاملات في معامل الطابوق
كربلاء/ زهراء جبار الكناني
 
دقت الساعة الثانية بعد منتصف الليل فخرجت لتبدأ رحلة عملها الشاق في صناعة الطابوق، هي تقوم بتنظيف التراب من الاحجار التي تعيق عجنه ثم تصب الطين في قوالب خاصة، في حين يتكفل زوجها مهمة اشعال النار في مكان مخصص يسمى(الكورة) وذلك ليتم  ادخال الطابوق الخام فيها وحرقه ليتماسك أكثر ويساعد في بناء أقوى. 
رفضت تلك المرأة العشرينية ذكر اسمها، بعد ان غسلت يديها الطاهرتين بعرق جبينها، و هي تضمد جرح كفيها خف بريق انوثتهما من اجل أجر بخس، ولاحظت عن كثب آثار انامل صغيرة عالقة على قطع الطابوق التي صنعها اطفالها لمساعدتها، ولم تكن تحمل سوى امنية اطلقت لها العنان قالتها بحزن يتدفق من عينيها: لا اريد ان يلقى اطفالي مصيري نفسه.  
هناك في ناحية الحر على طريق الكمالية و قبل ان تصل الى وجهتك تتراءى لك اعمدة الدخان المتصاعدة وهي تصنع سحباً سوداء بدخانها الثقيل، وحين تقترب ينتابك ذهول لم تألفه، فرغم ما يحيطها من تقدم حضاري، الا انك تشعر بقسوة الحياة التي تمحق معالم الانوثة لنساء يكدحن  مع اطفالهن من اجل لقمة العيش تحت اشعة الشمس اللاهبة من دون امل مرتقب لهن او لأطفالهن الذين تلاشت احلامهم الغضة  تحت كنف العمل القاهر.
 “الصباح” التقت بزوج تلك المرأة العشرينية فتحدث قائلاً: “يبدأ عملنا في الساعة الثانية بعد منتصف الليل حتى التاسعة صباحاً، ثم نأخذ قسطاً من الراحة ونستأنف عملنا من الساعة الثانية بعد الظهر حتى التاسعة مساءً”.
 
 واضاف الرجل الذي تبدو عليه آثار المعاناة والتعب: 
“نحن من مدينة الديوانية، وهذا هو عملنا انا وزوجتي، ويجب ان نعمل من اجل ان نعيش حتى لا نموت جوعاً”. 
 
أحلام بسيطة
 نساء ورجال واطفال دفنت احلامهم تحت اكوام التراب،  وهم يشدون أزر بعضهم، في مواجهة حرارة الصيف اللاهبة لمواصلة عملهم في تلك المناطق النائية التي تفتقر للخدمات الصحية والبنى التحتية.
حدثنا ابراهيم، وهو شاب في مقتبل العمر لم يخط شاربه بعد:” كل عام في مثل هذا الوقت نحط رحالنا هنا للعمل في معامل الطابوق، حيث اساعد ابي على نقل ما تصنعه امي وعمتي واخوتي الصغار من الطابوق ووضعه في النار التي اضرمناها في تنور (الكورة) لنكمل بذلك اخر خطوات العمل”.
ويضيف ابراهيم:” لم ادخل المدرسة قط  ولا اجيد القراءة، اما حلمي البسيط  فهو ان نحظى بفرصة عمل آخر يكون اقل مشقة وفي مدينتنا من اجل ان لا نتحمل اعباء السفر”.
ام جاسم  امرأة اربعينية  لفحت حرارة الشمس الساطعة وجهها الشاحب فمنذ الصباح الباكر تلتحق هذه السيدة بأمثالها من النسوة  لتعمل معهن في صناعة الطابوق، المكان الذي يصعب على رجل قوي البنية تحمله فكيف بامرأة مريضة  استؤصلت احدى كليتيها نتيجة مرض عضال، وهي تعيش مع اطفالها الصغار في غرفة واحدة تكسو سقفها جذوع وسعف النخيل.
تقول ام جاسم:” اعتدت على تحمل اعباء هذا العمل الشاق، وانا لا اجيد غيره، وقد ساعدتني قريبتي بالحصول عليه، وهذا الامر شجعني اكثر لأحظى برفقتها، كما اني اصطحب اطفالي معي فليس لدي مكان آخر ادعهم 
فيه”.
واضافت: “نحن نعمل فقط في فصل الصيف، ويكون الاجر زهيداً جداً، اذ نقوم بصنع الف طابوقة بـ(30) الف دينار، وهذا يتطلب عمل يوم كامل من الساعة الثانية بعد منتصف الليل حتى التاسعة مساءً”.
وقالت زميلتها فاطمة:” نحن نعيش بالقرب من هنا في منطقة الجمالية، واحضر برفقة امي واخوتي في الصباح حتى نهاية النهار لنعمل بصناعة الطابوق والفرشي، وفي ما مضى كنا نعمل في الزراعة وجني التمور، الا ان الامر بات صعباً الان، فقد اصبحت الزراعة شبه معدومة، كما تم  اقتصاص الكثير من بساتين  التمور، وبعد مكوثنا هنا بدأنا  بمزاولة هذا العمل  لكسب قوتنا، رغم ان العمل متعب ومضنٍ، الا انه اصبح مهنتنا التي نعتمد عليها في المعيشة”.
وعن احلامها كفتاة شابة اجابت: لا املك حلماً وهل يحق لمثلي ان تحلم؟! كل ما اتمناه  هو العمل في مجال آخر اخف وطأة من هذا العمل الذي يرهقني كل يوم ، وان تكون اجوره 
جيدة.
 
أقرباء وعائلات
وقال احد اصحاب المعامل رافضاً ذكر اسمه:”
 معظم النساء اللواتي يعملن في معاملنا اقرباء وعائلات، وهناك من يقطنون بالقرب  من المعمل وهذا العمل متعارف عليه منذ سنوات خلت، وحتى في بعض الدول المجاورة مثل مصر 
وغيرها”. 
واضاف: “وبالنسبة للأجور فهذا ما تسمح به قدرتنا ونحن نصرف الاجور حسب الرغبة، اما يومياً او اسبوعياً او شهرياً”.
وتابع: “معظم النساء يعملن في هذا المجال منذ  سنوات وهن يجدن العمل وتعودن على صعوبته، ومما يساعدهن على تحمل المشقة هو وجود ذويهن معهن وهذا دافع متين للبقاء والالتزام”.
 
رؤية اجتماعية
اعربت الباحثة الاجتماعية نور الحسناوي عن اسفها لما آلت اليه الظروف الاقتصادية باضطرار بعض النساء للعمل بأماكن لا تليق بهن مثل معامل الطابوق 
وغيرها.
مضيفة: “ان ارتفاع نسبة الفقر وتزايد حالات الطلاق والارامل ساعدا على تقبل المرأة للأعمال الشاقة،  كما ان المرأة الريفية وغير المتعلمة اكثر عرضة لاعمال كهذه، وهذا الأمر يحزنني كثيراً بان تعمل المرأة في اماكن لا تليق بها، دون ان يكون للجهات المسؤولة اي اثر كتوفير اماكن عمل مناسبة او صرف رواتب لهذه الشريحة للعيش بحياة 
كريمة”.
وتابعت الحسناوي:” فضلاً عن المجهود العضلي والنفسي الذي تبذله هؤلاء النسوة، هناك الجانب الصحي لهن ولأطفالهن، فهن يعملن في فصل الصيف تحت اشعة الشمس اللاهبة فمع ارتفاع نسبة الحرارة في بيوت معدمة لا تتوفر بها مقومات العيش البسيط كالماء النظيف والكهرباء ما يعرضهن هن وصغارهن للأمراض، فضلاً عن الدخان الغليظ الذي يتصاعد في عملية  صناعة الطابوق وآثاره السلبية على صحة 
الجميع”.
وختمت الحسناوي حديثها بالقول:{نرجو ونأمل من الدوائر الرقابية في وزارة البيئة والصحة ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية النظر لهذه الشريحة 
ودعمها”.