المنطقة الآمنة: المراوحة في المكان

الاثنين 30 أيلول 2019 352

المنطقة الآمنة: المراوحة في المكان
اسطنبول / فراس سعدون
 
 
لم يحرز كبار المسؤولين الأتراك، وفي مقدمتهم الرئيس رجب طيب إردوغان، ووزير خارجيته، مولود جاووش أوغلو، تقدما يرضيهم في ملف المنطقة الآمنة المقرر إنشاؤها شمال شرق سوريا، على الرغم من أنهم وضعوا هذا الملف على رأس أجندة مشاركاتهم في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ومحادثاتهم، على مدار أسبوع، مع زعماء وقادة كبار وممثلي منظمات دولية، كان من المفترض أن يكون بينهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي اكتفى باتصال هاتفي مع إردوغان، وتبادل كلمات على هامش حفل اختتام اجتماعات الجمعية العامة. وتأتي هذه النتيجة في ظل استمرار عمل مركز العمليات التركي – الأميركي الخاص بتنسيق جهود إنشاء المنطقة الآمنة وإدارتها، وتسريب صحف تركية جانبا من تفاصيل مخطط أنقرة للمنطقة المستهدفة.
 
نتيجة غير مرضية
وقال مولود جاووش أوغلو، وزير الخارجية التركي، في تصريحات للتلفزيون الإخباري الرسمي التركي (TRT HABER)، عقب عودة إردوغان من نيويورك إلى اسطنبول “نحن غير راضين عن النقطة التي توصلنا إليها حتى الآن بشأن المنطقة الآمنة، وأبلغنا الأميركيين ذلك صراحة، ولذلك نقول إنه في حال استمرار هذه المماطلة فإننا سنجد حلا بأنفسنا”. 
وأضاف “في النهاية إذا لم ننجح بذلك معا، فسيتبقى أمر واحد علينا القيام به، وهو الدخول إلى هناك، وتطهير المنطقة 
من الإرهابيين”. 
وتريد تركيا إدارة المنطقة الآمنة لإخراج التنظيمات المسلحة الكردية منها، وإعادة توطين أكبر عدد ممكن من السوريين فيها. وذكر جاووش أوغلو أن “الإرهابيين هناك يشكلون خطرا على تركيا، فإذا لم نطهر المنطقة منهم اليوم، فقد نواجه مخاطر أكبر مستقبلا، ونحن مدركون لهذا وعازمون وسنتخذ خطواتنا بناء على 
هذا الأساس”. 
وانتقد الوزير التركي تصريحات جيمس جيفري، المبعوث الأميركي إلى سوريا التي قال فيها “لا أستطيع الحديث عن عمق المنطقة الآمنة لأننا بحثنا فقط ثلث المنطقة شمال شرق سوريا، وهناك عمق متفاوت يرتبط بتراجع وحدات حماية الشعب الكردية، وسحب الأسلحة الثقيلة، والدوريات المشتركة، والطلعات الجوية الأميركية التركية”.  وردّ جاووش أوغلو على جيفري بأن “المفاوضات التي أجريناها مع الأميركيين تتمثل بتشكيل منطقة آمنة على عمق 20 ميلا، ما يعادل 30 كيلومترا، ولذلك ليس من الصواب القول إننا لم نتحدث عن عمق المنطقة، فهذا يعني أنهم لم ينصتوا إلى ما قلناه جيدا”.
 
تسريبات مخطط المنطقة
وسلم إردوغان الزعماء الذين التقاهم في نيويورك، وبينهم أنغيلا ميركل، المستشارة الألمانية، كتيبا يشرح بالتفصيل مخطط تركيا لبناء المنطقة الآمنة، وتفاصيل البناء وتكاليفه.
ونشرت صحف تركية بينها “حرييت” تسريبات مأخوذة عن الكتيب تفيد بأن تركيا تريد بناء “ممر سلام” بطول 480 كم، وعمق 30 كم، في المناطق الواقعة شرق نهر الفرات، ومنها عين العرب (كوباني)، وتل أبيض، ورأس العين، والقامشلي، والمالكية. وأوضحت التسريبات أن المنطقة ستضم 10 مقاطعات تحتوي كل مقاطعة على 6 آلاف وحدة سكنية لتستقبل 30 ألفا من السكان، كما تضم 140 قرية تحتوي كل قرية على 1000 وحدة سكنية لتستقبل 5 آلاف من السكان، وبمجموع يبلغ 200 ألف مسكن لتوطين مليون شخص. وأوردت التسريبات أن هذه المنطقة ستكون مخدومة بالمدارس، والمستشفيات، والمساجد والملاعب والصالات الرياضية، والمناطق الصناعية، ومحاطة بالمزارع والحظائر.
وتبلغ تكلفة تنفيذ هذا المخطط 27 مليار دولار تهدف تركيا إلى الحصول عليها من الدول الغربية والغنية بالنفط، لتكلف بتنفيذه شركات مقاولات تركية.
وعقّب سركان ديمرتاش، مدير مكتب صحيفة حرييت ديلي نيوز في أنقرة، على المخطط التركي، بطرحه مجموعة أسئلة. وكتب دميرتاش “لماذا تتبرع كل هذه الدول بأموال لمشروع تسوية مؤقت؟ أي مشروع لا يمثل جزءا من إعادة إعمار سوريا لن يحصل 
على الدعم”. 
وأضاف “أوضح الأوروبيون أنه لن يتم تخصيص أي يورو لإعادة إعمار سوريا قبل رؤية بداية عملية انتقال سياسي حقيقية، ومع ذلك، يأمل إردوغان مناقشة هذه الخطة مع ميركل، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة يستضيفها في تشرين الأول”. واستطرد دميرتاش “هناك سؤال آخر يتعلق بالتبعات الاجتماعية والسياسية لتنفيذ الخطة، فالمنطقة التي ستقام فيها هذه الأماكن السكنية هي في الأصل يسيطر عليها الأكراد، ولكن أولئك الذين يأملون في العودة هم من العرب، في الغالب، وهذا من شأنه أن يشعل المشاكل 
العرقية الجديدة”. 
وخلص إلى أن “ تركيا تريد بدء مفاوضات جديدة بشأن اللاجئين مع الأوروبيين، ولكن إلى أي مدى ستتلقى هذه الخطة الدعم؛ لا يزال 
يتعين رؤية ذلك”.
 
استمرار التنسيق العسكري
ونفذت مروحيات تركية وأميركية الطلعة الجوية المشتركة السابعة في أجواء المنطقة الآمنة المفترضة. وقالت وكالة الأنباء الرسمية التركية أن مروحيتين تابعتين للجيش التركي ومثلهما للقوات الأميركية انطلقت، السبت، من مركز العمليات المشتركة في قضاء أقجة قلعة التابع لولاية شانلي أورفا الحدودية مع سوريا. وكان خلوصي أكار، وزير الدفاع التركي، أعلن في 24 آب الماضي، مباشرة مركز العمليات المشتركة العمل بكامل طاقته، استنادا إلى اتفاق أبرم في السابع من الشهر نفسه.
 
تواصل الخلاف في المفهوم
وأرجع عمر كوش، الباحث المتخصص في الشؤون التركية / السورية، عدم توصل أنقرة وواشنطن إلى نتيجة مرضية بشأن المنطقة الآمنة إلى “استمرار الخلاف بين الولايات المتحدة الأميركية وتركيا حول مفهوم هذه المنطقة، وهل هي منطقة آمنة كما يريدها الأتراك، بمعنى أن تكون خالية من المجموعات المسلحة، وتتواجد فيها قوات أميركية وتركية، وتكون مأوى لما يقارب مليون لاجئ، أم كما يراها الجانب الأميركي منطقة عازلة أو حزاما أمنيا يفصل بين حليفه الكردي في وحدات حماية الشعب ومخرجاتها، 
والجيش التركي”. 
وأردف كوش “بالتالي هذا الخلاف في المفهوم هو الذي أدى إلى بطء تنفيذ هذه المنطقة، ولم يحصل سوى دوريات وطلعات مشتركة إلى مناطق معينة، مثل تل أبيض، ولا تدوم أكثر من ساعة، بمعنى لم تعين حدود المنطقة بدقة، ولم يعرف عمقها بدقة، فالجانب التركي يتحدث عن 30 – 40 كم، بينما الأميركان والأكراد يتحدثون عن عمق من 5- 7 كم، وأقصى حد هو 14 كم في المناطق الخالية من السكان، وبالتالي هناك بالفعل خلافات كبيرة تعتري الاتفاق التركي – الأميركي حول منطقة آمنة في 
شرق الفرات”. ووجد كوش، وهو معلق سياسي، أن “حل التعارض في مفهوم الطرفين للمنطقة يعني أن يقدم الطرفان تنازلات 
في هذا المكان”. 
واستدرك “لكن لا ننسى أن الأمر ليس متروكا للطرفين التركي والأميركي، فهناك أطراف أخرى معنية بهذا الملف، وخاصة وجود الحليف في وحدات حماية الشعب، وقوات قسد، ومجالس عسكرية اجترحتها قسد، وأيضا وجود الروس الذين يعلنون لأول مرة تأييدهم لهذه المنطقة على لسان سيرغي لافروف”، منوها بأن “مفهومهم للمنطقة الآمنة يجب أن يكون كما يقولون تحت السيادة السورية، وهذا ما لا يريده الأتراك، وهناك أيضا الطرف الإيراني الذي يصر أيضا على وحدة وسلامة الأراضي السورية، وما يقصده الطرفان الروسي والإيراني هو وحدة وسلامة الأراضي السورية تحت نفوذهما وليس تحت 
نفوذ غيرهما”.