1 تشرين الأول.. مآلات ومعالجات

الجمعة 11 تشرين أول 2019 92

1 تشرين الأول.. مآلات ومعالجات
عبدالزهرة محمد الهنداوي
التظاهرات التي شهدتها بغداد وعددٌ من المحافظات في الأول من تشرين الأول 2019، وإنْ كانتْ مختلفة شكلاً ومضموناً عن تلك التي شهدها العراق في سنوات سابقة، إلا في قاسم مشترك واحد هو أنها لم تكن تظاهرات “بطرانة”، فأولئك الشباب،. وهم بعمر الزهور لم يخرجوا أشرين ولا بطرين إنما خرجوا محتجين على سوء الأوضاع وتردي الخدمات وتفاقم البطالة، فكان خروجهم متظاهرين يمثل احتجاجاً على هذا الواقع ومحاولة للفت أنظار الحكومة بكل مفاصلها الى الواقع المُنهك.
إلا أنَّ ما يؤسف له حقاً أنْ يتعرض هؤلاء الشباب الى الأذى بسبب أصابع خفيَّة تعمل وفق أجندات صفر سعت الى إخراج التظاهرات عن مسارها السلمي المطلبي وتحويلها الى أعمال شغب وعنف في محاولة لإثارة الفوضى، فكان أنْ سقط شهداء وجرحى ومصابون من المتظاهرين والقوات الأمنية التي سعت الى أقصى ما تستطيع من ضبط النفس، والتركيز على مهمتها الأساسيَّة المتمثلة بحماية المتظاهرين والأمن ومصالح الناس ومؤسسات الدولة على حد سواء، وإذ ندعو الله أنْ يتغمدَ الشهداء بواسع رحمته ويمنَّ على الجرحى والمصابين بالشفاء العاجل، فإننا نتساءل هنا هل أنَّ ما حدث في الأول من تشرين الأول وما تلاه من تداعيات وأحداث مؤسفة كان يجب أنْ يحدث؟. 
وهل كان بإمكان الحكومة الحيلولة دون حدوث ما حدث؟، هل فعلاً انَّ الحكومة غافلة عن الواقع، ما أدى الى تردي الأوضاع الى الحد الذي دفع الشباب نحو التظاهر بهذه الصورة التي سهّلت على المتربصين الصيد في الماء العكر فحققوا ما يريدون، لنفقد شباباً وهم في ذروة عطائهم، وتخريب المؤسسات ووقف مصالح الناس وارتباك الوضع العام؟
لعلَّ الإجابة عن هذه التساؤلات التي آلمت الجسد العراقي ألماً مبرحاً، تتطلب هدوءاً وانصافاً، كي لا نعصب مآلات الأحداث برأس جهة دون أخرى بدءاً، نقول إنَّ ما حدث كان متوقع الحدوث، فقد كان الجميع يتحدث عن تردي الأوضاع ويحذر من عواقب الأمور، فكان الناس يعتقدون وهم محقون أنَّ التظاهر والاحتجاج سيجبر الحكومة على الاستجابة الى مطالبهم المشروعة، ومن ثم تلبيتها، ففي كثير من الأحيان ونتيجة الخدر والترهل والروتين تتكلس بعض المفاصل الحكوميَّة وتصبح غير قادرة على الأداء فتأتي التظاهرات والاحتجاجات فتؤدي الى تحريك تلك المفاصل وإنْ لم تتحرك سيتم تحريكها من خلال اتخاذ الإجراءات المناسبة لمعالجتها، وهذا أمرٌ في منتهى الأهمية.. ولكنْ هل فعلاً إنَّ الحكومة غافلة عن الواقع أو إنها عاجزة عن معالجة هذا الواقع؟.
لا أعتقد أنَّ الحكومة غافلة أو نائمة، أو إنها لا تسمع، ولكن في المقابل ثمة تقصير واضح في أداء المهام أدى الى حدوث خلل واضح في مستوى الخدمات، وهذه التقصير ليس وليد اليوم ولا يقتصر على الحكومة الحالية، إنما هو متوارث ومتراكم من الحكومات المتعاقبة، وثمة ثلاثة أسباب ترادفت لتنتج لنا هذا الخلل البنيوي في الدولة العراقية، وهي الخلافات السياسية، الفساد، ضعف الاستثمار، إلا أنَّ هذه التبريرات والأسباب المنطقية لا تعني أنَّ الحكومة غير مقصرة، وهنا أيضاً قد يكون تقصيرها مبرراً، فلعلَّ انشغالها في محاربة الإرهاب منعها من الالتفات الى الجوانب الأخرى، ويصح مثل هذا الكلام على فترة الحرب ضد الإرهاب، ولكن ما بعد هذه الفترة ما الذي منع الحكومة من الالتفات الى جانب الخدمات، لا سيما في المناطق والمحافظات التي سارع أبناؤها الى تلبية نداء الوطن وقدموا الغالي والنفيس من أجل محاربة الإرهاب وتحرير الأرض، ومن يسير في شوارع محافظات الوسط والجنوب يشاهد حجم التضحيات التي قدمتها تلك المحافظات، ففي كل عمود كهرباء تجد صوراً لشهداء عُلقت وكأنها مصابيح، حتى يُخيل إليك وكأنك تسير في مزرعة تنتج شهداء. أبناء هذه المحافظات (المضحية) شعروا بالجفاء وعدم الاهتمام بهم ولا بمناطقهم فأرادوا أنْ يُسمعوا صوتهم فخرجوا متظاهرين مطالبين بإنصافهم.
ومرَّة اخرى، نعود لذات السؤال، هل فعلاً إنَّ الحكومة مقصرة؟، وعندما نتحدث عن الحكومة فإننا نعني بها السلطات كافة، التشريعية والقضائية والتنفيذية، بجناحيها الاتحادي والمحلي، وهنا تدخل قضية التخصيصات المالية عاملاً أساسياً في بيان فيما إذا كان هناك تقصير أم لا، ومَن يتابع حجم المبالغ المخصصة للمحافظات والوزارات، لعام 2019 يجدها جيدة ويمكن من خلالها تحقيق تغيير في الواقع التنموي، إلا أنَّه بسبب الخلافات السياسيَّة والفساد وتداخل الصلاحيات ووجود أنظمة وقوانين مقيدة لم يتحقق ما كان ينبغي تحقيقه.
المهم إنَّ التظاهرات - ومع أسفنا الشديد على ما سادها من تضحيات وإصابات مؤلمة- تمكنت من تحريك الأجواء والضغط بقوة على الواقع العراقي، فانبرت جميع السلطات والفعاليات الأساسيَّة الى التحرك الجاد والسريع والاستماع الى مطالب المتظاهرين ووعدت بتلبيتها، بدءاً من مجلس النواب ومجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية، والمرجعية الدينية، والنقابات والاتحادات وشيوخ العشائر، إذ يبدو جلياً أنَّ المرحلة المقبلة ستكون مختلفة عما مضى، فالحكومة ومجلس النواب والحكومات المحلية أعطت وعوداً وعهوداً للمتظاهرين وأكدت أنَّها ستفي بكل ما تعهدت به في إطار برامج وتوقيتات زمنية واضحة، وهذا يعطي الشباب المتظاهرين مساحة جيدة لمراقبة ومتابعة مستوى الأداء الحكومي ومعرفة فيما إذا كان العمل جاداً، أو أنها مجرد وعود؟، وهذا سيتبين من خلال توفير فرص العمل عبر تحريك عجلة التنمية ودعم الزراعة والصناعة ومعالجة أزمة السكن ودعم القطاع الخاص، وقطعاً إنَّ تحقيق ذلك لن يكون سهلاً ولكنه ليس مستحيلاً، نحتاج الى إعادة النظر بالكثير من التفاصيل المهمة والأساسية وتوفير بيئة مناسبة للاستثمار والشروع بتنفيذ المشاريع العملاقة في مختلف قطاعات التنمية، بعيداً عن الشعارات الجوفاء التي أغرقتنا في البلاء. 
والأهم من هذا إنَّ الوضع يتطلب تفاهماً عالي المستوى بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وقد بدا ذلك واضحاً، كما تقع على عاتق الإعلام مهمة هي الأخرى مهمة جداً، فمطلوب من السلطة الرابعة، أداء دور إيجابي هدفه خدمة المجتمع، وعدم التأجيج واللعب في مناطق تزاحم الأجندات التي تثير وتستفز الرأي العام.