بين السياسة والإدارة

الجمعة 11 تشرين أول 2019 117

بين السياسة والإدارة
حمزة مصطفى
لولا أنَّ الحيز المسموح لي في هذه الصحيفة هو 400 كلمة لاختزلت هذا المقال ليس أكثر من ست الى سبع كلمات, انطلاقاً من المقولة المشهورة “خير الكلام ما قلَّ ودل”. أما الكلمات الست أو السبع ليست لي ولا من بنات أفكاري, بل أستعيرها من ولي عهد دبي محمد بن راشد آل مكتوم الذي يقول: “لدينا المزيد من السياسيين نحتاج الى إداريين”. سياسيونا يزيدون كل أربع سنوات 329 سياسياً عند كل بدء دورة انتخابيَّة. نحن لا نختلف من حيث التمثيل والكتل والأحزاب والتداول السلمي للسلطة عن أي بلد غارق في الديمقراطية من أخمص رأسه حتى قدميه.
لا تختلف عنا سويسرا أو النمسا أو المملكة المتحدة في وجود برلمان وحكومة وحتى حكومة ظل (وإنْ كانت لدينا في طور التشكل, يعني ما زالت لحيمية). ولدينا طبقاً لذلك أحزابٌ لها مقرات ووزراء ووزراء سابقون يمكنهم ممارسة حياتهم الاعتياديَّة مثل أي وزير أوروبي سابق. لكنْ في هذه الدول مؤسسات لا علاقة لها بالسياسة وصراعات الكتل ومواقف الأحزاب والزعامات. ولدى هذه الدول مترو أنفاق مبني من “قالوا بلى” انطلاقاً من أنَّ أنظمتهم القديمة ليست مثل أنظمتنا القديمة لم تخلف لنا سوى الحروب وبضعة قصور فقط.
ولدى هذه الدول كل أشكال الضمان الصحي والاجتماعي والفحص المنتظم للـ “دي أن أي”. فكل مواطن هناك ينوي إثبات نسبه ومن أي الأعمام هو لكن ليس لأغراض الدكة العشائريَّة يمكنه ذلك. مع ذلك يخرجون للتظاهر ليس لأنَّ التظاهر حقٌ كفله الدستور بل لأنهم يعجبهم التظاهر. ليس هناك منهم من يرد اسم الدستور على لسانه يوماً. المواطن هناك لا علاقة له بالدستور أو القانون أو شبكة الحماية الاجتماعيَّة أو المساءلة والعدالة أو مؤسسة الشهداء والسجناء السياسيين. المواطن هناك له علاقة بشيء واحد فقط هو.. النظام العام.
لماذا كل هذه (الجنجلوتية) بينما قلت إنَّ بمقدوري اختزال كل ما أريد قوله بمقولة بن مكتوم (لدينا سياسيون, نحتاج إداريين)؟ هل نفتقر الى الإداريين؟ لا بالتأكيد. لدينا أيضاً، لكنَّ مشكلة هؤلاء الإداريين أما هم مغيبون بحيث لا تتاح لهم فرص العمل في بيئة سليمة أو لأنهم لا يخضعون لنظرية الرجل المناسب في المكان المناسب. بمعنى لدينا أعظم إداري في مجال الثروة الحيوانيَّة نعينه سفيراً. ولدينا من هو بمنزلة بمسارك أو كيسنجر في العمل السياسي والدبلوماسي نعينه وكيل وزارة البلديات أو الزراعة أو الموارد المائيَّة.
إذنْ وفق هذه المعادلة لسنا بحاجة الى تفسير معمق وستراتيجي لظاهرة التظاهرات في العراق التي ما زالت متواصلة على فترات منذ نحو 10 سنوات. المطالب هي ذاتها. قيلت في زمن إياد علاوي وإبراهيم الجعفري ونوري المالكي وحيدر العبادي والآن عادل عبد المهدي. ولأنَّ لدينا كثيراً من السياسيين بينما نحتاج الى إداريين فسوف تستمر المطالب ذاتها في حال لم نتوصل الى الحكم الرشيد حتى في حال شكل كاتب هذه السطور حكومة في آواخر هذا القرن مع أنه لا يفرق بين.. الدولمة ورأس الجسر.