المسار الزينبي !

السبت 12 تشرين أول 2019 150

المسار الزينبي !
 جواد علي كسّار
يذكر لبيب بيضون في مدونته الممتازة "موسوعة كربلاء" أنَّ العائلة الحسينية الأسيرة قطعت نحو (1800) كم، من مدينة الكوفة الى دمشق، وهو ما يساوي نصف المسافة التي تقطعها الحافلات الآن بين النقطتين.
يعلل بيضون وغيره طول المسافة الى الطريق الذي اختير للقافلة، إذ أُريد لموكب السبايا بأمر من يزيد، أنْ يسلك أطول طريق مأهول بالسكان، تشهيراً بمقتل الحسين وإذاعةً لمقتله وما جرى عليه، وترويعاً للقلوب وردعاً نفسياً لمن يفكر بالخروج على السلطة، في أنْ يكون مصيره كالمآل الذي حلّ بسيّد الشهداء وأسرته!
مرة أخرى أبدع بيضون في موسوعته الكربلائيَّة، بتتبع المحطات الجغرافية للطريق عبر تكريت والموصل وتلعفر ونصيبين وحران والرقة وحلب ومعرة النعمان وحماه وحمص وبعلبك، ثمّ الى دمشق وما جرى للأسرة الحسينية الممتحنة من وقائع وحوادث، وهو أمرٌ مهمٌ جداً من حيث وعي جغرافية حركة الأسرة وما حلّ بها، وقد ثبت تاريخياً أنَّ هذا المسار وإحداثياته الجغرافية، تركت وراءها منافع آجلة للحركة الحسينيَّة، عندما تحوّلت أغلب محطات الركب، الى مشاهد تُزار ومقامات تعيد ذكرى واقعة الطف ورمزيَّة سيّد الشهداء.
لقد كانت زينب بنت علي في واجهة هذا الركب، وقد تضاعف دورها القيادي بحكم المرض الذي أحاط بالإمام السجاد زين العابدين، فكانت لها الصدارة في المواقف جميعاً، ما دام الإمام مريضاً يحمل علته. والمسار الزينبي وإنْ كان لا يختلف جغرافياً عن الإحداثيات التي ذكرتها كُتب التاريخ، ولخصها لنا بيضون على نحو ممتاز، إلا أنَّ لهذا المسار خصوصيته على مستوى الوقائع والنصوص التي تصدّت لها العقيلة.
ومع التجلّة والاحترام لمشاعر المودّة والحزن والتفجّع، الكامنة وراء ما قيل ويقال في مأساة السيدة زينب ومصيبتها، شعراً ونثراً وصوراً مفجعة، إلا أنني أعتقد أنَّ قدراً معتداً به لم يرقَ الى بطلة كربلاء وما بعد كربلاء، بل في بعضه ما يسيء (دون قصد طبعاً) الى عقيلة الهاشميين؛ بنت أبيها علي وأخت أخيها الحسين، خاصة في بعض ألوان الشعر التي سقطت في الرثاثة والسطحيَّة والابتذال، طمعاً بالمزيد من التفجّع والحزن!
المسار الزينبي في بعض محطاته الوضيئة ما بعد كربلاء، بدأ حين وقفت عقيلة بني هاشم على جسد أخيها المرمل بالدماء، ثمّ بسطت يديها تحت بدنه المقدّس ورفعته نحو السماء، وقالت: إلهي تقبّل منا هذا القربان!
ثمّ كان لخطبها في مجتمع الكوفة ومحاوراتها مع ابن زياد فعلُ الهزّة النافضة، حتى انتهى بها المقام الى يزيد في الشام، فكان من كلامها له: "إني لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك.. فكد كيدك، واسعَ سعيك، وناصب جهدك، فواللهِ لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمرنا".
ومن أجلى محطات المسار الزينبي، قولها لابن أخيها السجاد، تُخبر عن المستقبل، بما جاء التاريخ يؤكده من بعدها ويوثقه الحاضر: "لقد أخذ الله ميثاق أناسٍ من هذه الأمة.. يجمعون هذه الأعضاء.. وينصبون في هذا الطف عَلَماً لقبر أبيك سيّد الشهداء، لا يُدرس أثره، ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام، وليجتهدنّ أئمة الكفر وأشياع الضلالة على محوه وتطميسه، فلا يزاد أثره إلا ظهوراً، وأمره إلا علواً"!