أطباء فنزويلا والعمل في أقاصي تشيلي

الأحد 13 تشرين أول 2019 99

أطباء فنزويلا والعمل في أقاصي تشيلي
اندريه هاوتاماكي
ترجمة: بهاء سلمان
كانت المرة الأولى التي حدق بها "لويس ديلناردو" عبر مضيق ’الأمل الأخير‘ وشاهد المياه الزرقاء المتجمدة المطوّقة بجبال تغطيها الثلوج، فشعر وكأنه يشاهد منظرا سينمائيا. 
آنذاك، كان طبيب التخدير البالغ 33 عاما من العاصمة الفنزويلية؛ كاراكاس قد قدم عبر الانترنت للعمل بوظيفة ضمن مستشفى حكومي في مدينة "بورتو ناتالس"، وهي بلدة تقع ضمن أقصى أقليم جنوب تشيلي: ماجلان وانتراكتيكا التشيلية. لم يكن ديلناردو قبل ذلك قد سمع باسم تلك البلدة مطلقا، بالتالي وفي يوم شتاء قارس من أيام تموز، نزل الطبيب الوافد من الحافلة محاولا معرفة ان كان بمقدوره بناء حياة جديدة في بلدة ساحلية تقع ضمن منطقة باتاغونيا التشيلية.
 
عزوف أبناء البلد
لا يرغب الكثير من الأطباء التشيليين بالعمل في تلك الأماكن، فماجلان منطقة نائية كافحت طيلة سنوات لجذب أصحاب المهن الطبية وإبقائهم فيها. ولا يوجد رابط بري بين ماجلان وبقيّة تشيلي، فينبغي على المرء السفر بواسطة العبارة لمدة ثلاثة أيام، أو ركوب الطائرة، أو برا عبر الأرجنتين المجاورة لغرض الوصول إليها من مناطق تشيلي الشمالية. لكن أعدادا متزايدة من الأطباء المختصين الفارين من الأزمة الطاحنة التي تعصف بفنزويلا يتوجهون صوب هذه المنطقة النائية لتكون موطنا لهم، ليشغلوا فجوات مهمة في ميدان الرعاية الطبية، كما أنهم أيضا يقلبون اتجاه القصة الواسعة الانتشار عالميا من أن المهاجرين واللاجئين الفنزويليين يمثلون عبئا على البلدان التي ينتقلون اليها. ويبلغ عدد المتخصصين في مستشفى بورتو ناتالس العام 24 طبيبا، نصفهم ليسوا من التشيليين، حيث أن ثمانية منهم قدموا من فنزويلا، وثلاثة من الأطباء الممارسين لدى مركز الرعاية الأسرية، من أصل سبعة، فنزويليون أيضا، وهم يرفعون بسرعة عدد الأطباء غير التشيليين في منطقة ماجلان، بوصولهم الى 32 فردا خلال السنوات الأربع الماضية.
هؤلاء الاطباء هم جزء من تدفق أوسع يشهده ممتهنو الوظائف الطبية في فنزويلا المنتقلين الى مستشفيات تشيلي. فقد كان هناك 96 طبيبا فنزويلا فقط طيلة العام 2014؛ وبعد أربع سنوات، ارتفع الرقم الى نحو 2500 طبيب. لكن بينما فسح هذا الوضع مجالا لتشيلي لكي تعالج نقصا اجماليا في أطبائها، أسهم هذا التدفق تحديدا بمساعدة المناطق المهملة، مثل أقصى الجنوب، لملء المواقع الحيوية ضمن المستشفيات المنقوصة الملاكات الطبية، إذ تصل نسبة الأطباء  الأجانب عالي 23 بالمئة من أطباء البلاد.
 
تقبّل الصعوبات
بالنسبة للأطباء الفنزويليين، توفر المنطقة بيئة ترحيبية نادرة في قارة بدأت بلدانها تضيّق الاجراءات الخاصة بالدخول ومدة الاقامة، وهذا ما يجعل الرحلة الشاقة من كاراكاس الى بورتو ناتالس تحمل أهمية كبرى وتستحق العناء. "أنا ممتن جدا لتشيلي،" يقول ديلناردو، متذكرا كيف شعر بالغبطة حينما زار لأول مرة متجرا للبقالة في البلاد بعد وصوله الى فنزويلا: "لم أشهد أكثر من نوع واحد من الحليب أو تشكيلة متنوّعة من اللبن الزبادي منذ كنت بعمر 13 سنة."
وسهّلت تشيلي اجراءات دخول المتخصصين خلال السنين الأخيرة، فبحسب تقرير لوزارة الصحة صدر قبل ستة أشهر، كان هناك متخصص واحد لكل 791 مواطنا سنة 2017، مقارنة بمعدل واحد لكل 1065 سنة 2008؛ كما ارتفع عدد الأطباء الممارسين بنسبة ثمانية بالمئة تقريبا خلال السنة الماضية، وفقا لمنظمة التعاون والتطوير الاقتصادي. لكن البلاد ما زالت تعاني من تدني أعداد المتخصصين، باستثناء أطباء النسائية والتوليد، مقارنة مع دول أخرى، مثل كوريا الجنوبية والمكسيك وسلوفينيا. وتعمل الفوارق المناطقية على تعقيد التحديّات، فبحسب "ميشيل غيولو"، أستاذ الصحة العامة بجامعة تشيلي، يبدو أن مشكلات التوزيع المناطقي مستمرة.
استجابة تشيلي للأزمة الفنزويلة تتمثل بالمساعدة على معالجة المشكلات، حتى لو جزئيا. وسمحت الحكومة الى ما قبل شهور قليلة مضت للفنزويليين بدخول البلاد لمدة تسعين يوما بلا تأشيرة سياحية. أما الآن، فقد أصبحت تلك التأشيرة الزامية. وبدأت السلطات منذ حزيران الماضي بمنح المهاجرين الفنزويليين ما أسمته "تأشيرة المسؤولية الديمقراطية" عبر جميع قنصلياتها العاملة حول العالم، إذ يسمح لحامليها البقاء في البلاد لعام كامل، مع امكانية تمديدها لإثني عشر شهرا آخر. وبعد كولومبيا وبيرو، اجتذبت تشيلي ثالث أكبر أعداد للمهاجرين الفنزويليين، فوصلت الى أكثر من 288 ألفاً، بضمنهم الأطباء الذين تزايدت حركة انتقالهم. وبشكل عام، غادر فنزويلا أكثر من أربعة ملايين شخص منذ اندلاع أزمتها السياسية والاقتصادية.
 
اجراءات تشجيعية
داخل تشيلي، تحفّز الحكومة أولئك الذين يرغبون بالعمل في المناطق النائية، مثل ماجلان. وبالنسبة لطبيب أجنبي متحمّس للعمل في تشيلي، يمكن لتثبيت التدرّج الطبي أن يستلزم سنوات، لكن مع موافقات خاصة من وزارة الصحة، يمكنهم العمل ضمن مؤسسات الرعاية الطبية العامة ضمن المناطق الشديدة الحاجة اليهم عبر عملية إعادة التثبيت، وهذا حفّز أخصائيين كثيرين للتوجه نحو المناطق النائية.
وتمنح الحكومة أيضا أجورا مالية مرتفعة للأطباء العاملين في "المناطق النائية"، مثل أقصى الجنوب، لجذب الطواقم الطبية لتلك المناطق. يقول "مانويل هيرنانديز"، مدير احدى مستشفيات بورتو ناتالس: "ما نتقاضاه من منطقة ماجلان كراتب شهري يعد الأعلى عمليا في البلاد بأسرها." ورغم الاعانات المالية، والتي تعطى أيضا للملاكات التشيلية، يفضل الأطباء المحليون العمل في قطاع الرعاية الصحية الخاص الذي يدفع أجورا أفضل من المستشفيات الحكومية ضمن منطقة ماجلان النائية. 
ولا يملك الأطباء الأجانب الراغبون بالعمل مع عدم تثبيت تدرجهم الطبي هذا الخيار، بحسب هيرنانديز: "سنبحث عن مساعدة من الطواقم الطبية 
الأجنبية."
غير أن الأطباء الذين توجهوا صوب منطقة ماجلان لا يتوقعون مغادرتها خلال وقت قريب، ولا يعرف ديلناردو متى ستتحسن أحوال بلاده، وهو يشعر بالتشاؤم، فحكومة فنزويلا الاشتراكية تسيطر على البلاد منذ سنة 1999، "ولا يسعني انتظار عشرين سنة أخرى، فأنا أريد أحيا حياتي الآن، والمجتمع في ماجلان يثمن وجودي بينهم ويرحب ببقائي، ومستوى المعيشة هنا جاذب لي أيضا." 
ويتطلّع ديلناردو، طبيب التخدير الماهر الى شراء منزل، وهي مجرّد خطوة أخرى لبناء مستقبل له والاستقرار في بلدة ساحلية نائية تمثل موطنه الجديد حاليا.
 
مجلة تايم الأميركية