اللغة في «جلالة الوقت»

الاثنين 14 تشرين أول 2019 152

اللغة في «جلالة الوقت»
هاشم تايه
 
يعيش جلالة الوقت، الكتاب، في لغةٍ تنقسم على نفسها بين انغلاقها على ذاتها، وتحلّلها من التركيز على موضوعها، وإحياء عضويّته، لتتبعثر خارج مركزه، وتتمدّد بلا ضابط، في النصوص الأولى من الكتاب، وبين إخلاصها لموضوعها، بتمثيل حياته الخاصّة باقتصاد، وتركيز في النصوص الأخيرة..
الغنائيّة التّأمليّة قد تصلح مفهوماً لتأطير التعبير الذي كُتبتْ بهنصوص هذا الكتاب، وهي نصوص تسُودُها نزعة ذهنيّة تفكيريّة، يغيب فيها، أو يكاد، المرئي العياني المحسوس الذي يستقوي به، عادةً، التأمّليُّ، ويتفتّح عياناً.تتنحّى الصّورةفي جلالة الوقتفيحلّ التصوّر المُعقلن:"بمنأىً عمّا يُورثه الاحتدام ويُلقي بنا في أرخبيل متاهة فلنمسحْ أحزاننا حسبَ اتّساع التفاصيل"، و"لنتمحورْ تأملاً، وضوءاً كيفَ لا تُمهّد الرّوحُ لعزلتها تحت الجلد كيف لا تصغي لحيرتها خلف سطوة الوقت". وفي الإطار الذّهني الذي يطوّق مادة الشعر، تستعصي اللّغة، تُقمعُ البساطة، وطلاقة الرّوح، في المناطق التي تعتم، وتغيم فيها التجربة بتعاليها على الإفصاح، ما يجعل اللّغة تتغوّل، فتبتزّ النصَّ لحسابها، وتستهلكه خاصّة في نصّ يغيب فيه التصميم، والنّظام المسؤولان، طبعاً، عن تماسكه الحيويّ، ووحدة جغرافيته.
جلالةُ الوقت، كخبر أو تقرير، أم جلالةَ الوقت كنداء بأداة نداء مضمرة؟ 
لسنا ندري، لكنّه في العموم محاولة لاستدعاء وقتٍ فائت، في خضمّ مطاردةٍ لكيانه، ومن أجل استنباته في الذّهن، ثم إطلاقِهِ في خلاصاتٍ هي أقرب إلى تمثلات الوعي المنعكسة في ما يشبه تقييماً، أو أحكاماً باردة. كأن السّؤال الذي أجاب عنه جلالةُ الوقت: ماذا كان ذلك الوقت؟ وليس كيفَ كان، وبأيّ صورةٍ عِيشَ.
هذا الأمر انعكس على اللّغة، وحدّد طبيعتها، فجعلها لغةً بطيئة، باردة، بمنزعٍ تجريديّ عمومي، الجملة فيها تتمدّد أفقيّاً، وعموديّاً بطابع استطرادي، تكثيريّ، يُوسّع من رقعتها النثريّة التي نجد بعض مظاهرها في الإفراط باستخدام أحرف العطف: "فما زلتُ أميّز مكاني من الطيف ولم تنفرط بعد حبات ذاكرتي تمرّين أمام حاضنة خشوعي وتشكين تاريخ حضوري وسوى أصابعك الرقيقة لن تفلح العقاقير". ويتفاقم الأمر كلّما تمّ تسهيل دخول ما تضخّه اللغة، عادة، من المفردات الزائدة التي يُفترض أن ينقذ الشعرُ جسدَه منها: "ظمأٌ أبديّ يحرصُ على أن يتوهّج سرابُه فوق وجهي" بدلاً من "ظمأ يتوهّج سرابه فوق 
وجهي".
وفي هذا النصّ، أو ذاك تطول الجملة، فتذهب في تفااصيل تُرهقها، أو تصطدم بجملٍ معترضة دخيلة، تشوّش التلقّي: "أتأملكَ كثيراً، وأنت تحاول وحيداً أمام جدارية التاريخ وبلا رغبةٍ من نوازع الأرصفة أن تستدرج الوقتَ شاهدا لتعرض خيوطَ حياةٍ متشابكة هي أقرب إلى معناها الضيّق بعطر التفاح على الورق من جراحٍ ضجرة". هذه الجملة هي شكل من أشكال تبذير اللغة، وإنفاقها جُزافاً من دون رادعٍ 
جماليّ.
تطغى النثريّة على مادة عدد من النصوص، ويتعزز فيها الطّابع العمومي التجريدي، يظهر ذلك في الإسراف باعتماد مصادر الأفعال، الفارغة من التعيين الزمني، والدلالي المحدّد: "أقرأُ غموضَ ما تصبو إليه في ما بين أسطرِ توهّجِك، فتشبكني الحيرة". هذه جملة واحدة استوطنتها ثلاثة مصادر هي: غموض توهّج حيرة. والغريب أنّ الغموض والحيرة اللذيْن يتحدث عنهما الشاعر يطالان تصّاً شعريّا بامتياز بلغته المقتصدة التي تعرض تصوّرها الذهني في تمثيلٍ حسيّ جليّ لا إغماض فيه، ولا يُحار في تلقيه، وهو نصّ قصير للروسي يسنين صنع منه الشاعر واجهة لقصيدته (جلالة الوقت). يقول يسنين: "واحسرتاه! لقد حُكِمَ عليّ بأشغال الأحاسيس الشّاقة المؤبّدة أُديرُ أحجارَ رُحى القصائد".
 لكنّ النصوص الأخيرة في جلالة الوقت تُخلص فيها اللّغة للحياة الدّاخلية التي يعيش فيها كلّ نصّ، متحقّقة في كيان تمثليليّ داخل حدثٍ شعريّ يبدأ من نقطة، ثمّ يتحرّك في فضاء مرئي، ليقود حياته، ومصيره بفعلٍ حيّ متّصل ببعضه، وليقف أخيراً حيث يقرّر أن يقف، بعيداً عن إغراء اللّغة. سنرى في النصّ المعنون (منتصف كانون الثاني 1963) مثالاً لنصّ تقليليّ مرسوم بلمسات خاطفة من لغة يمكن سماعها’ ورؤيتها: "حولَ مِنقلةٍ خفتَتْ جَذوةُ الفحمِ فيها تحت رمادٍ أبيض نلتفّ ملمومين محتفينَ بالبردِ، والغربة، والصّمت فجأةً انفرج البابُ عن وجه شيرين صفّق قلبي وارتعدت فرائصي قالت: (باوكم جلال مردوا) وذهبت التفتَ والداي قلتُ: لقد مات العجوز فكَمَّ أبي فمَ أمّي بكفّه قبل أن تصرخ كعادتها".
 وفي (تحت ظلّ الزقورات) تفارقُ اللّغةُ غنائيّتها، فتضع أعضاءَها في بنية دراميّة في نصّ تعدديّ تتفاعل فيه شخصيات، وأصوات، في أدوار، وحوارات متبادلة، بين أفراد، أو جوقات، وتتحقق اللغة في نداءات، وترجيعات، وأسئلة، واستجابات متطهّرة من انشقاقها على حياة مادتها العضويّة، وهي ترتحل في الزمن الأسطوري مع آلهة العالم القديم،في بضعة تكويناتٍ نصيّة يستولد سابعُها لنفسه ثلاثة عشر تكويناً مضافاً تطوي الزمن، وتعبر الآفاق، لتصل الماضيَ بالحاضر،ولتُجيب عن السؤال الوجودي المقلق (إلى أين)، فيأتي الجواب فرديّاً، صادماً: "كلّ الذي أفعلُهُ أنّني أملأُ الفراغ وثمّةَ ما أعني، ولا أدركُ الكلمات".
تقول جوقة الرجال ردّاً على جوقة النساء:
"ها، قد أسمَعْتُنَّ البيدَ، وما نعبد بعد فوات الزمن الصّارم نحنُ رعاةُ الأمل المنشود، ومن سامٍ ينحدرُ السّرُّ الكامنُ فينا من جدْب الصحراءِ، ومن هول سوافي الرّيح إلى صُلبِ أبوّة دموزي، الراعي الطيّب عشيق السيّدة الأولى عشتار ومعاً نضمنُ للخصْبِ الخضرةِ ونوحّدُ أوردةً تتماهى في صُلب البشر الفانين أبوّة ومثلَ الحَمَل امتثلت عشتار فيا آلهة الخصبِ تهامة امتثلي وجموعَ النسوة في جدب الصحراء لفصلٍ آت".