البناءُ الفكري في مُقدمات الشروحات الشعرية

الاثنين 14 تشرين أول 2019 179

البناءُ الفكري في مُقدمات  الشروحات الشعرية
د. سامي شهاب الجبوري
 
    يُمثلُ الفِكرُ منظومةً مُزدوجة الفاعليَّة والتَّأثير ؛ كونها تُسهمُ في جعلِ المجالاتِ المعرفيَّةِ المُتنوِّعة قابلةً للنموِ والتطورِ والتأقلمِ مع أجواء البيئةِ والعصرِ ، مع الاحتفاظ بهُويتها الخاصةِ التي تُؤطّرها ، فالفكرُ له القدرة على استيعابِ المُتطابقاتِ والمُتضاداتِ في آنٍ واحدٍ ، لما يمتلكهُ من خاصيَّةِ النظرةِ الفاحصةِ وتشريح القواعد وتفكيكها ثم إعادة تشكيلها وتأصيل موضوعاتها على النحوِ الذي يكون باتجاهِ التقنين والتحديد وتشكيل الخاصيَّةِ المرجوَّةِ ، وتكمنُ أهميتهُ كذلك في أنَّه ينطلقُ من رؤىٍ ثاقبةٍ تسمح لهُ بمساءلةِ مُحتويات المعارفِ وعدم التَّسليم بمرتكزاتها لا لأجلِ التضاد معها فحسب ؛ بل لايجاد المُشتركات المُثلى التي تجعل من هذا العلم أو تلك الفلسفة مِفتاحاً للولوجِ الأكبر في فضاءاتٍ من التجديدِ والانفتاحِ والشموليَّةِ ؛ ونتيجة لذلك يحصلُ التطور الذي يُرافقه التصوُّر والاستبصار . وعليه فإنَّ الذي يبحث في جوهرِ الأشياءِ ومكنوناتها ينبغي أنْ يكون جريئاً في التعاطي مع النتائجِ المُستخلصةِ التي تكون في حيثياتها غير مُستقرةٍومُتشظيَّة على أقل تقدير ، ليُحقق المُبتغى من خوضهِ في هذا المجال ، فلا مُجاراة للمُحتوى إلاَّ في حدودٍ ضيِّقةٍ ، والأصل هو التوسُّع والتجوُّل في الذاكرةِ لربط الموجوداتِ ومعرفةِ الخصائص المُتراكمةِ وفصلها عن المُستحدثة ، وفي ميدانِ النتاجِ الفكريِّ الابداعيِّ ولاسيما في توجُّهه الأدبي ، وانطلاقاً من المُحرِّك الذي هو الذكاء تأتي الصورة أكثر تعقيداً ، لأنَّ النشاط الأدبيَّ والابداع التأليفيَّ يسلكُ مَساراتٍ مُتنوعةٍ ويدخل في متاهاتٍ مُتشعبةٍ يصعب فهم مراميها منذُ الوهْلة الأولى ، مِمَّا يتطلبُ ذلك جُملةً من الاجراءاتِ والنشاطاتِ المُتسلسلةِ لمعرفةِ مضانها وانحرافاتها وهلمَّ جراً مِمَّا يتحقَّق . وبما أنَّ الأدبَ ومجالَ التأليفَ الابداعيَّ هو جزءُ من المعارف ؛ فإنَّ عمليةَ ارتباطهِ بالفكر حتميَّةُ ، ومجال المدِّ والجزر بينهما يخضعُ لسُلطةِ صاحب الفلسفةِ الفكريَّةِ الذي يُحاول استكناه ما يُريد استكناههُ بحسب الأرضيَّةِ المُمتدةِ أمامه ، لذا فالخطابُ الأدبيُّ بنوعيهِ الشعريِّ والنثريِّ يفرض أشياءً ، وأنَّ ميدانَ التأليفَ النقديَّ بأشكالهِ المُختلفةِكاللُّغويِّ والبلاغيِّ وغيرهما يفرض أشياءً أُخرى فيها حُمولاتُ دلاليَّةُ تستدعي البحث عن هُويتها وجوانب توظيفها ومَقاصد وجودها .
وعليه تُعد كتب الشُّرُوحات ولاسيما الشعريَّة أصلاً تشريعياً مُعيناً للثقافة على اختلافِ صُعدها ، كونها الوسيطَ بين مُبدعِ النصِ ومُتلقيه ، وهذا ما يجعل خياراتُ نفعها وجدَّيتها في زيادةِ اللُّحمةِ بين قطبي الابداعِ صعبة ، كونها في منطقةٍ حذرةٍ قوامها التأصيل وإحداث التأثير ؛فهي منظومةٌ معرفيَّةٌ مُترامية الأطراف ؛ لما تحملهُ وتختزلهُ بين طيَّاتها من المعارفِ والعلومِ والأخبارِ والأحداثِ وكلّ ما يتَّصل بهذا الشأن ، لذا فمن يتعامل معها يجدُرُ به التعكُّز على الثقافةِ التي تسمح له بفهم اشتراطاتِها ومكونات بنائِها ، لأنَّ المعلومات المنثورة فيها هي صدى لشارحها ، ومن خلالها نستطيعُ معرفة هُويته وتوجُّهاته وإمكاناته وقُدراته ، ولكونها معيناً لا ينضب لتعدُّد رؤاها فإنَّ البناءَ الفكريَّ يؤدي دوراً حيوياً في نشرِ المفاهيمِ والدِّلالات ، بحسب التوظيفات التي يبغيها المُنتج . لذا فقاعدة الشرُوح هي إمعانُ النظر في الأنساقِ الفكريَّةِ والثقافيَّةِ التي بثَّها المُبدع ؛ ثم ترجمتها على هيأةٍ جديدةٍ فيها روح التبسيطِ والايضاحِ والمُباشرةِ ؛ ليجدَ المتلقيّ مُبتغاهُ ويتنوَّر بما قُدِّم له ، فضلاً عن تزويدهِ بالأخبارِ والأحداثِ والقصص والمفاهيم التاريخيَّةِ والاجتماعيَّةِ وهلمَّ جراً بما يتصل بالمعارفِ والثقافاتِ ، وعليه فالشُّرُوحاتُ نصُ ابداعيُّ له سِماتهُ وشروطهُ ووظائفهُ وأساليبهُ ، والغايةُ المُشتركة التي يُقدمها هذا النص هو تقريبُ الرؤى والمفاهيم بطُرقٍ مُيسَّرةٍ وأساليب مُشوِّقة . 
    وبحسب التراكمات المعرفيَّةِ التي تؤهلها الشُّرُوحات لتكون ناضجة مُتداولة ، وسطوتها على تذليل العقبات والمُعضلات أمام المتلقي وتهيأته للتعامل الأفقي مع المتن ، فضلاً عن ايجاد أرضية صالحة لتعضيد العلاقة المعقودة بين قُطبي الابداع ؛ تتبلور خصائص البناء الفكري الذي من خلالهِ يُمكن الكشف عن توجُّهات صاحب هذا الشرح أو ذاك ، وحتماً ستكون الانطلاقة من مُحتوى نص المقدمةِ الذي يُعلن فيه المؤلف عن أدبياتهِ وسلوكهِ ومنهجهِ وارتباطات ثقافتهِ بمن سبقه وكل ما يتعلَّق بهذا المِضمار . وهذا يعني أنَّ المقدمة لها الأثر البالغ في التبليغِ عن تيارِ مُبدعها ، كونها نسيجاً من أفكاره وتوظيفاته ؛ وهي مُتصالحةُ في النهاية بل مُهادنةُ مع ما يقتضيه ويرغب في توليفه . وعليه فأصحاب الشُّرُوحات الشعرية يُدركون قيمة المعلومات والسياقات الأسلوبيَّة التي يُكتب لها الخلود في المقدمات ؛ فتراهم يضمِّنونها بالمعارف العامةِ والخاصةِ ، وينسجون تراكيبها نسجاً مُترامي الأطراف يتوزع بين الجودةِ التركيبيَّةِ المُمثلة بتواشج الألفاظ مع المعاني ، ورصانة التراكيب اللُّغويَّةِ والنحويَّةِ ؛ والضربة البلاغيَّة المُمثلة بأدوات البيان والبديع ، فضلاً عن التناغمات الايقاعية التي يُمثلها السجع والتوازي والتكرار والجناس . وبطبيعة الحال فإنَّ كم التراكم المعرفي الثقافي المبثوث في نص المقدمة ؛ الى جانب الحرص على الأساليب التوظيفيَّةِ يؤدي الى استمالة العقولِ وتصفية النفوسِ ؛ لأنَّ الذهنية استعدت منذ الوهلة الأولى لاستقبال مكنونات النص الكبير من خلال مفاهيم مُحتوى المقدمة الذي سهَّل ذلك . لذا كان الشُّراح ُحريصين على تتويج شروحاتهم بالمقدمات المُناسبة لتكون نافذة مُطلَّة على مُحتويات التضمين الداخلي ؛ ولينفذ من خلالها من يُريد الاستزادة الى العوالم الخفيةِوالمخبوءةِ والمتزاحمةِ وهكذا . ولكي تحقِّق المقدمة جوهر وجودها ينبغي على كاتبها تبسيط المفاهيم ؛ وتحديد المنهجية ، وتسمية الأشياء صراحة وغيرها من المُحدّدات ؛ لتكون بذلك قادرة على حمل الوظائف التي يجب توافرها فيها كالوظيفةِ التقويميَّة ، والتوثيقيَّة ، والتعريفيَّة ، والجماليَّة ، والتكوينيَّة وغيرها . وبمقدار التجانس في تلك الوظائف تُصبح المقدمةُ نصاً مُتكاملاً يُوازي النص الأصلي ، بل هي المفتاح المؤثر في رسم أبعاد 
المتن .