الإلهام الرهيب وراء لوحة {الجورنيكا}

الاثنين 14 تشرين أول 2019 214

الإلهام الرهيب وراء لوحة {الجورنيكا}
توبي ساول
 
ترجمة: جمال جمعة
كان بابلو بيكاسو يبحث لثلاثة شهور عن شيء يرسمه في أبريل عام 1937. خلال إقامته في باريس، حصل الفنان الإسباني على تفويض لعمل لوحة جدارية للجناح الإسباني في معرض باريس الدولي لعام 1937. الاضطرابات مزقت سير عمله، سواء كان ذلك في حياته الخاصة أو في الحرب الأهلية المندلعة في إسبانيا.رعب هذه الحرب من شأنه أن يمنح بيكاسو إلهاماً لرسم رؤية جريئة، غير هيابة، للدمار والوحشية التي تجلبها الحرب الحديثة على الناس العاديين. يعد عمل بيكاسو "جورنيكا" واحداً من أعظم الأعمال الفنية في القرن العشرين وبياناً قوياً ضد 
الحرب.
 
جريمة حرب
في تموز عام 1936 شن الجنرال الفاشستي الإسباني، الجنرال فرانكو، انقلاباً شبه ناجح ضد جمهورية إسبانيا الديمقراطية؛ رقعة من إسبانيا سقطت تحت سيطرة فرانكو، فيما بقي النصف الآخر تحت سيطرة الجمهوريين. ومع تصاعد التوتر العالمي عشية الحرب العالمية الثانية، تم تدويلالحرب الأهلية الإسبانية المريرة بسرعة: الجمهورية حصلت على مساعدات وأسلحة من الاتحاد السوفييتي، فيما سُلِّح فرانكو من قبل ألمانيا وإيطاليا الفاشيتين.
في يوم 26 من عام 1937، راقب أفراد طاقم إحدى السفن الحربية البريطانية طائرات حربية وهي تتحشد فوق ساحل شمال إسبانيا. ما رأوه كان تشكيلاً مختلطاً من قاذفات القنابل الألمانية والإيطاليةوهو ينطلق في مهمة لقصف مدينة "جورنيكا" الباسكية الصغيرة. الهجوم بدأ حوالي الساعة 4:30 مساءً واستغرق ثلاث ساعات،أفرغت خلالها الطائرات حمولتها من المتفجرات والقنابل الحارقة على تلكالمدينة العزلاء،محولة إياها إلى خراب.
بمجرد أن عرفت أنباء الهجوم، سارع المراسل الحربي  لصحيفة "Times of London"، جورج لوثر ستير،إلى "جورنيكا" وقدم تقريراً يحذر فيه العالم: "في الساعة الثانية صباح هذا اليوم، حين زرت المدينة، كان المشهد مروعاً كلياً، نيران تستعر من البداية للنهاية".
كما أكد ستير أن الغارة لم تنفذ لأهداف عسكريةوإنما لهدف محدد، وهو ترويع المدنيين: "مصنع انتاج المواد الحربية موجود خارج البلدة ولم يُمس. وثمة ثكنتان تقعان على بعد مسافة من البلدة". 
 
الفن يرد الضربة
في اليوم التالي للهجوم، كان بابلو بيكاسو جالساً في مقهى "Café de Flore" في باريس، ويقرأ عن تلك الفظاعة في الصحيفة. مع الأخبار المروعة من "جورنيكا"، عرف بيكاسو أنه قد عثر على موضوعه أخيراً.مشتغلاً بسرعة عظيمة، ملأبيكاسو قطعة شاسعة من الجنفاص بما سيصير الصورة المجسدة لأهوال الحرب. ومنذ أن أزيح الستار عنها في المعرض الدولي، حيث تسببت بضجة، طافت اللوحة حول العالم، لينتهي بها المطاف في الولايات المتحدة حيث ينبغي أن تقبع على مدى الإثنين وأربعين عاماً القادمة. مكثت اللوحة في متحف الفن الحديث في مدينة نيويورك، حيث أثّرت بشكل كبير على جيل ما بعد الحرب من الفنانين الأمريكيين. جاكسون بولوك، الفنان التجريدي الكبير، كان يمضييومياً إلى المتحف يـتفرس فيها. ذات مرة، سمع عن طريق المصادفة زميلاً زائراً للمعرض يعبّر عن رأي غير مستساغ حول الجنفاص، فدعا بولوك الرجل إلى الخارج مقترحاً عليه الشجار هناك.
كان بيكاسو يردد دائماًبأنه لن يسمح للوحة بالسفر إلى وطنه حتى تصبح إسبانيا جمهورية. الجنرال فرانكو توفي عام 1975، بعد بيكاسو بسنتين، وانتقلت إسبانيا إلى الديمقراطية كملكية دستورية. وبالرغم من أن هذا يعني بأن إسبانيا لم تصبحالجمهورية التي حلم بها، فقد سمح للجورنيكا بالعودة في عام 1981 وعرضت في "متحف برادو" في مدريد. لم تتضاءل قوة الاستفزاز في اللوحة على مر السنين. ولأن عواطف الحرب الأهلية الإسبانية لم تخفت، فقد عرضت "جورنيكا" خلف زجاج مقاوم للقنابل والرصاص. في عام 1992 قامت "جورنيكا" برحلتها الأخيرة، إلى متحف "Reina Sofía Museum" المجاور في مدريد، حيث يزورها الآن ما معدله 11.000 شخصاً كل يوم. 
 
صور الحرب
واليوم، بما أن الحرب لم تزل تهدد المدنيين المسالمين في جميع أنحاء العالم، فإن تمثيل "الجورنيكا" للرعب، العذاب، والخسران لا يزال يعتبرأقوى الأعمال الفنية المناهضة للحرب على مر العصور. كان بيكاسو حذراً من تفسير أعماله، و"الجورنيكا" لم تكن استثناءً: "إذا كنت تعطي معنى لأشياء معينة في لوحاتي فقد يكون ذلك صحيحاً جداً، لكنها ليست فكرتي لإعطاء هذا المعنى.الأفكار والاستنتاجات التيراودتك قد راودتني أنا أيضاً، لكن بشكل غريزيولا شعوري. أنا أجهز اللوحة للرسم. أرسم الموضوعات كما هي عليه". 
على مدى السنين، أدهشت اللغة التصويرية القوية للوحة الفنانين والنقاد وحاولوا تفسيرها. استخدام بيكاسو للثور، وهو رمز إسباني تقليدي، أمر ملتبس، لأنه يمكن أن يمثل إما الضحايا الإسبان أو الوحشية الإسبانية. شخصية المرأة المنتحبة التي تندب طفلها الميت ربما تحيل إلى تمثال "Pietà" لمايكل أنجلو الذي تظهر فيه السيدة مريم العذراء مكروبة على ابنها الميت. الحصان المطعون هو أحد الشخصيات المركزية في اللوحة: جسده الجريح يدوس بشكل أعمى جثة الجندي الممزقة على الأرضية. الشخصية الوحيدة المفعمة بالأمل هو الشكل الأنثوي المنبثق من النافذة: إنها تحمل مصباحاً وتسلط الضوء على الخراب، فلربما يتمكن العالم من رؤية ما حدث هنا.
National Geographic
مشتغلاً بسرعة عظيمة في أعقاب قصف مدينة جورنيكا، ملأ بيكاسو لوحة ضخمة من الجنفاص بما سيصير الصورة المجسدة لأهوال الحرب.
 
 الموت من فوق
26 أبريل 1937 كان يوم الإثنين، وهو يوم التسوق في جورنيكا. بعد ظهر ذلك اليوم ألقت قاذفات القنابل الألمانية والإيطالية متفجرات تزن 550 رطلاًلمحق المباني لكي تنتشر النيران بسرعة أكبر. ثم تبعتها بعد ذلك موجات من الطائرات التي أسقطت محروقات تلتهب عند درجة 2500 مئوية. بحلول المساء كانت معظم المباني في جورنيكا غير صالحة للسكن. على الرغم من أن عدد القتلى، الذي أعتقد في البداية أنه كان بالآلاف، قد تم تعديله إلى ما بين 200 ـ 300 قتيل، إلا أنه بعث رسالة مرعبة إلى العالم: القوى الفاشية كانت مستعدة لإطلاق السلاح الجديد من السماء على المدنيين، تمهيداً للقصف السجّادي المدمر للمدن 
الأوربية خلال الحرب العالمية الثانية.
 
 تطور مراحل عمل بيكاسو
في الأول من مايس 1937، قام بيكاسو بعمل أول 
تخطيطاته. الثور والحصان كانا موجودين في المسوّدات المبكرة، جنباً إلى جنب مع الجندي الساقط والمرأة ذات المصباح. استخدم بيكاسو، في الحقيقة، العديد من هذه العناصر في عمل سابق، وهو نقش الميناطور عام 1935.  على الرغم من أن الشخصيات المركزية ظلت ثابتة، فقد أجرى بيكاسو العديد من التنقيحات على العمل. ألوانها المتقشفة السوداء، والبيضاء، والرمادية يقال أنها مستوحاة من طبيعة حبيبات ورق الصحف، لتعكس أن الحرب الأهلية الإسبانية كانت إحدى أوائل الصراعات التي غطتها وسائل الإعلام بشكل مكثف.
بعد خمسة أسابيع فقط، كانت اللوحة الجدارية الحجم مكتملة. ثمة قصة (ربما مختلقة) تقول إن ضابطاً نازياً أبرز لبيكاسو صورةً للوحة وسأله: "هل أنت الذي صنع هذه؟"، فأجابه بيكاسو كما يقال: "كلا، أنتَ الذي صنعها".
 الموظفون في متحف الفن الحديث وهم يلفون "الجورنيكا" قبل إرسالها إلى إسبانيا في سبتمبر 1981.