ماذا بعد قصيدة النثر ؟

الاثنين 14 تشرين أول 2019 181

ماذا بعد قصيدة النثر ؟
محمد والي الساعدي 
ما ان ظهر الشعر العمودي ببنائه المتماسك وقامته المهيبة حتى تناوشته عوامل التعرية والتآكل ورغم الانحطاط الذي منيت به اغراضه في عصور الادب المظلمة الا ان نظامه العروضى ظل عصيا على الاختراق ثم ظهرت قصيدة النثر ايذانا بعصر جديد من الفتوحات الشعرية الباهرة التي نجحت في استقطاب عدد غفير من النقاد والقراء وحصلت على مساحة واسعة من الحضور والتجدد على افق المشهد الشعري المعاصر ولكن قصيدة النثر وعوضا عن ان تقدم نفسها على انها ضرورة من ضرورات العصر وبدلا من أن تؤمن جوا من التعايش السلمي مع العمود الشعري الا انها قدمت نفسها ندا شرسا ومشاكسا للعمود الشعري ومارس منظرو هذا الجنس الابداعي الوليد المتشددون التحريض على مقاومة العمود الشعري وتنفيذ انقلاب عسكري ضد المعمار الخليلي المتوارث واسقاطه في سياق من الطروحات النقدية الحداثوية بهدف بلورة صورة مغرية وجذابة لهذا الجنس الوليد حتى قبل ان يخرج من صندوق ( الخدج ) بعد ولادة عسيرة حتى ان بعض منظري قصيدة النثر وصفوا العمود الشعري بأنه مومياء محنطة وقال أخير :إنه ميت تأخر دفنه !! وكما هو معروف فان قصيدة النثر تعتمد على اطروحة ترحيل الايقاع الشعري من خارج النص الى داخله واستنطاق البياضات المفروشة بين السطور وتحريض علامات الاستفهام والترقيم على المساهمة في تشكيل فضاءات النص كما اعتمد هذا الجنس الوليد على ترحيل المتلقي من زنزانة المتلقي المستهلك الى فضاءات المتلقي المنتج الذي يقف على خط شروع واحد مع الشاعر لتأسيس مدلولات النص وتحرضه على ممارسة الاغلاق في عملية اتمام المعنى.
ان الايقاع الشعري الخارجي يمثل جوهر القصيدة العمودية لأنه يتناغم مع جوهر الفطرة الإنسانية ويمنح المتلقي جرعة منشطة لاستلهام مدلولات النص فلقد كانت العرب تعتمد الايقاع الشعري المسموع لتسريع خطى النوق في تخوم الصحراء ولقد اثبت العلم الحديث ان هناك نمطا من الايقاع الشعرى للتسريع في نمو بعض النباتات. 
كما ان القرآن الكريم وظف الايقاع الشعري لترويض الذائقة الشعرية الصحراوية القاسية على التعامل مع اطروحة الدين الجديد بشكل افضل حتى ان اغلب العرب الوثنيين هجروا زنزانة الاصنام الى فضاء التوحيد بسبب انبهارهم بجمالية الاداء البلاغي في الآيات القرآنية الكريمة وما تنطوي عليه من نفحات الايقاع الشعري ،ان خرق قواعد الملاحة في بحور الشعر يعد اخلالا بالأمن الشعري وسيؤدي بالتالي الى اجهاض ملمح من ملامح الهوية العربية المتمثلة بالشعر في آلياته وضوابطه المعروفة وهو الذي مازالت اصداؤه خالدة في ذاكرة الاجيال على مر العصور ،انني لست ناقدا حرفيا ولكنني اعتقد ان بالإمكان ترويض العمود الشعري لاستيعاب حاجات العصر والنأي به عن المفردات القاموسية التي عفا عليها الزمن على ان تظل قصيدة النثر جنسا ابداعيا زاخرا بالصور الشعرية المدهشة وان تؤمن بمبدأ التعايش السلمي مع العمود الشعري والاقرار بأبوته ،ثمة خيط ما بين التجديد والتمرد فاذا تمزق هذا الخيط اختلطت الاجناس الأدبية وتشابكت ،وسنرى سفنا تتزاحم في محيط الشعر تحمل رايات مختلفة وجنسيات متعددة ومرجعيات مبهمة وهذا ما لا نريده لمنجزنا الشعري الناهض ،انا لست من المؤمنين باعتقال الشعر في زنزانة التعريفات المدرسية ودفاتر الواجب البيتي على انه الكلام الموزون المقفى ،هذا التعريف يجسد آلية الشعر ولا يجسد رسالة الشعر ،هو رفض وتأسيس اي انه رفض لما هو كائن وتأسيس لما ينبغي ان يكون واعتقد ان الشعر هو العين الباصرة الثالثة التي نرى فيها معالم الحياة ،لان العين تنقل ظل الظاهرة الى العقل لتفسيرها ،اما الشعر فانه ينقل ظل الظل لاستنطاقه
 وتأويله.
 واخيرا؛ حنينا الى دار “مي” وشوقا مشبوبا الى “قفا نبك” و”سلام ارق من صبا بردى” الى امير الشعراء فان للرجل بيعة في اعناقكم، ولقد اشاح الجمع بوجهه عن صروح السلف وقال قائل منا :”انها اساطير الاولين”.