المواطن والفرد

الاثنين 14 تشرين أول 2019 263

المواطن والفرد
د. حسين القاصد 
 
منذ تأسيس الدولة العراقية في مطلع القرن الماضي ، والمواطن العراقي يعاني من أزمة المواطنة ، حتى تسببت له هذه الأزمة بأزمة أخطر هي أزمة الهوية ، أو استلاب الهوية اذا جاز لنا التعبير ؛ وهو ما عبر عنه الملك فيصل الأول ، حين وصف العراق بأنه مجاميع متفرقة لكل مجموعة ولاؤها الخاص ؛ ولقد استغل حكام العراق على مر العصور هذه الأزمة ، وأسهموا في تنميتها ، حيث أسهم الاحتلال البريطاني ومن بعده العهد الملكي في تعزيز سلطة العشيرة ، وصاروا اذا يريدون مخاطبة الشعب ، خاطبوا رؤساء العشائر ويتم لهم مايريدون عبر الطاعة العمياء من افراد العشيرة لرئيسها ، ومن رؤساء او شيوخ العشائر لصاحب الجلالة او السمو او الفخامة ، وما الى ذلك من الاسماء المزينة للمتسلطين على رقاب الشعب .  
ولعلنا نستشهد بدليل من عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي ، اذ يقول في لمحاته الاجتماعية : (تروى في هذا الصدد طريفة لها دلالاتها، هي أن مدير ناحية طاووق من لواء كركوك كان قد تلقى أمراً بتنظيم مضبطة لبيعة فيصل ولكنه سمع بعد قليل أن الإنكليز عدلوا عن ترشيح فيصل، فاحتار المدير في أمره، ولم تكن وسائل المخابرات البرقية والتلفون يومئذ ميسورة، فلجأ إلى تنظيم مضبطتين إحداهما بقبول فيصل، والثانية برفضه. وقد وقع الأهالي على المضبطتين معاً، وذهب بهما المدير إلى مستشار اللواء الكابتن ملر. وحين سأله المستشار، “أين المضبطة؟” أجابه: “أيهما تريد؟” وعرض عليه المضبطتين، فأخذهما المستشار كلتيهما) ؛ وهذا يعني غياب المواطنة تماما ، بل انعدامها ، وهو الأمر الذي ورثته جميع السلطات التي تلت سلطة الاحتلال البريطاني ، وصارت تطلب البيعة والولاء من افراد لهم هيمنة وأمر قاطع على اتباعهم . ولقد استثمر انقلابيو البعث المنحل وطاغيته المقبور هذا النسق ، فأخذوا يخاطبون اتباعهم لكي يقوم هؤلاء الاتباع بتهيئة رعيتهم لما يريد صاحب الأمر والنهي في البلاد . 
وفق هذا المنظور غابت الوطنية تماما ورسخت عبادة السلطات ، لاسيما في عصر الايدلوجيات المحتدمة . 
الآن ، وبعد أن تحرر العراق من جبروت الدكتاتورية وتسلط الطاغية المقبور وحزبه المنحل ، صار المواطن العراقي يبحث عن ولاءات جديدة ، فتوزعت الولاءات الى الاحزاب ؛ واستعانت الاحزاب والكتل بشيوخ العشائر لتهيئة الطاعة الكاملة ، والولاء المطلق ، فسارت الديموقراطية (الطفلة) في العراق بطريقة عرجاء ، ومرت على العراق سنوات من التأجيل عن الحياة ومواكبتها ؛ ولم تنجهم حتى الانتخابات بقوانينها المطاطة ، فصار تبادل السلطة بين كتل واحزاب تؤمن بالمحاصصة في المكاسب ، لكنها ومن الغريب جدا ، لاتؤمن بالمحاصصة والشراكة في التقصير . 
بقي المواطن العراقي طيلة 119 عاما يحسب رقماً أ او عدداً ، لاسيما في الحروب التي تهدد البلاد ، لكنه في حقوق المواطنة يغيب عن قائمة الاستحقاق . بعد العام 2003 نشأ جيل جديد لم يتأثر ( بأقوال القائد الضرورة) ولم يحفظ اناشيد السلطة ؛ انما هو جيل فتح عينيه على التكنولوجيا الحديثة ، فتمرد على اخطاء الأولين ، ونزل للشارع مطالبا بمواطنته ، لاسيما بعد تلبيته لفتوى الجهاد الكفائي ، فهو يريد ان يكون مواطنا في الحالتين ، مجاهدا ، ومدنياً يستحق ابسط مقومات الحياة والمواطنة ؛ لكن السلطات المتعاقبة وجهازها التعليمي والتربوي ، اهملت تثقيف المواطنة ، ليبقى الشباب رهن فورة غضبهم حين تستلب حقوقهم او حين يقارنون انفسهم بأقرانهم من ابناء المسؤولين !! يا ترى كم نحن بحاجة ماسة لمراجعة قراءة الجيل الجديد ، فلعله الجيل الوحيد المجرد من كل شيء سوى الولاء للوطن.