الفتاة الاخيرة.. نادية مراد

الاثنين 14 تشرين أول 2019 110

الفتاة الاخيرة.. نادية مراد
الكتاب : الفتاة الأخيرة. قصتي 
مع الأسر ومعركتي ضد تنظيم داعش
اسم المؤلف : نادية مراد 
ترجمة : نادين نصر الله 
دار النشر : دار التنوير 
 
(ليس من السهل أبدا أن أقول قصتي في كل مرة أتحدث فيها واسترجع مآسيها، ولأنها قصة من صميم الواقع فهي أفضل سلاح لدي ضد الإرهاب أعتزم على استخدامه حتى يتم وضع هؤلاء الإرهابيين داخل قفص المحاكم) هكذا تقص الإيزيدية نادية مراد في كتابها (الفتاة الأخيرة. قصتي في الأسر ومعركتي ضد تنظيم داعش) الصادر عن دار نشر بنجوين راندوم هاوس والنسخة العربية عن دار التنوير ،حيث تروي كيف تم اختطافها مع المئات من النساء والأطفال والرجال، و تم بيعهن كعبيد في سوق النخاسة  الداعشية بعد ان  استولت هذه العصابات البربرية على قضاء سنجار التابع إلى مدينة الموصل. 
 
الكتاب يقدم صورة قوية عن الهمجية التي تعرض لها الإيزيديون، إلى جانب لمحات عن ثقافتهم الدينية ، فهو كتاب مؤثر على لسان امرأة شجاعة، وشهادة حية على قدرة البشر على ممارسة الشر. 
 
الضحية والاستعباد  
(كنت أنظر إلى ساقي، الدم يجري فوقهما، لم أود أن أصدق أن هذا الجسد المنتهك هو أنا)، بذاكرة مشوشة، متخمة بالحزن تسترجع نادية مراد، التي عرفت وسط أسرتها باسم (ماردلين)، فتاة أيزيدية (21) سنة، ذكرياتها عندما كانت جارية يغتصبها مجرمو (داعش) تكشف في هذا الكتاب كيف تم استعبادها من قبل الإرهابيين قبل أن
 تهرب. 
وقد اختطفت من قرية كوجو و تسجيلها كرقيقة لعصابات داعش الارهابية  وعندما حاولت الفرار في المرة الأولى لم تنجح وسمح مالكها باغتصابها من قبل عصابة حراسه لكنها لم تجزع فهربت ثانية بالقفز من فوق جدار حديقة منزل مالكها في الموصل، وهي تعيش الآن في ألمانيا وأصبحت ناشطة بالنيابة عن المجتمع الايزيدي الذي كانت واحدة من حوالى 7000 امرأة وفتاة استولى عليهن افراد عصابات  داعش الاجرامية الذين ينظرون إلى الايزيديين بوصفهم كفرة، وقتلوا العديد من رجالهم ونسائهم الأكبر سنا بمن فيهم خمسة من أشقائها الثمانية وأمها، أما الفتيات الصغيرات فقد احتجزن لأغراض
 الجنس. 
كان من الصعب على نادية مراد كما تقول أن تتذكر جميع الرجال الذين اشتروها وباعوها كما تروي في الكتاب بالتفصيل كيف حاولت الهرب من خلال ارتداء العباءة والغطاء الذي يشبه ما ترتديه نساء داعش من نافذة إحدى غرف المنزل الذي تم احتجازها فيها، لكنها لم تفلح وتم القبض عليها من قبل أحد الحراس الذي أشبعها ضربا وسلمها للمدعو الحاج سلمان، الذي سبق له أن اشتراها والذي يسمح لستة من حراسه باغتصابها حتى سقطت فاقدة للوعي، وبعد أسبوع تم نقلها إلى ستة مجرمين آخرين ليغتصبوها مرة أخرى ولتتعرض للضرب قبل نقلها إلى سوريا لتباع هناك، لكنها استطاعت الهروب ولكن ايضا فشلت ليتم
 سجنها .
 
نساء كوجو 
في عام 1993، ولدت نادية مراد، لأسرة بسيطة داخل قرية كوجو، جنوبي مدينة سنجار في العراق، كانت حياتها عادية تماما، فتاة بسيطة تتدرج في المراحل التعليمية، إلى أن وصلت للمرحلة الثانوية، فانقلبت حياتها رأسا على عقب، الى كابوس استمر لعدة شهر متواصلة. (كنت أتمنى أن أصبح مدرسة تاريخ أو خبيرة تجميل، تعبث بأدوات المكياج)، حلم نادية، فلم تكن تعرف أن الأقدار ستعبث بها، في 15 اب العام   2014، سيطرة عصابات داعش الارهابية على قرية كوجو، اختطفت الصبية من أسرهم، وأخذوهم ضمن 150 امرأة أيزيدية إلى الموصل، وهناك بدأت رحلة مضنية كما تقول: {وجدنا في الموصل، الآلاف من النساء والأطفال الذين كانوا يقدمون لمقاتلي العصابات الارهابية
 كهدايا».
 
الخسة البشرية  
كان هناك (أبو بطاط)، احد مجرمي تلك العصابات  تروى عنه انه كان رجلا فارع الطول في الخامسة والثلاثين من عمره. أما الدور الذي كان يقوم به في السيارات خلال رحلتها من جبل سنجار إلى الموصل، فقد كان {يتجول في ممر السيارات  ثم يطلب من الفتيات المعذبات المنهكات اللائي فقدن الأب والأخ والزوج منذ دقائق رميا بالرصاص، أن يبتسمن، ليلتقط لهن صورة بهاتفه، ثم يضحك وهو يتأمل الصورة، قبل أن يبدأ المرحلة الثانية الأكثر خسة ونذالة  يلمس هذه او تلك  وعيناه الخضراوان تلمعان، وفمه يلتوي بابتسامة ماكرة. أغمضت عيني أتضرع إلى ربى أن يجعله يرحل عني، ثم شعرت بيده تنتقل ببطء عبر كتفي فتلمس عنقي ثم تنزل إلى مقدمة قميصي . كان إحساس مؤلم سهام من النار، لم يسبق أن لمسني أحد من
 قبل».
 
اغتصاب جماعي 
وبعد عدة أشهر من المعاناة والاغتصاب والاذلال المتكرر، فكرت نادية في الهرب، رحلة هروب نادية من جحيم (داعش) تستحوذ على الثلث الأخير من الكتاب، فحينما اشتراها الحاج عامر من الحاج سليمان، ذهب ليشتري لها ملابس تليق بـ(زواج- اغتصاب) كما كان يؤهلها للانتقال إلى سوريا، وهو أمر كان يمثل لنادية رعبا حقيقيا، ذلك أن انتقالها إلى سوريا كان يعنى عمليا موت ولا أمل في الهرب. عندما خرج مالك نادية الجديد من منزله الفخم في الموصل، فوجئت نادية أنه ترك باب المنزل من دون أن يوصده. لم يكن هناك حارس واحد، لم يكن هناك داعشي واحد يتحرك في الشارع المقابل. كان أذان المغرب يتردد في الآفاق، والشوارع تميل إلى الظلام. بدا وكأن (يدا إلهية) تمتد لتنقذها. ولكنها فشلت عندما أمسك بها أحد الحراس، وكان العقاب أن رمي بها في غرفة انفرادية وجردها من ملابسها، ثم تركها للحراس يتناوبون على اغتصابها طوال الليل، (اغتصبوني حتى فقدت الوعي)
وأضافت(تحت حكمهم، فإن المرأة التي تتعرض للسبي تتحول إلى غنيمة حرب، وإذا حاولت الفرار، فإنها تحبس في غرفة منفردة، ثم تغتصب على أيدي المجرمين الموجودين في المبنى، لقد تعرضت للاغتصاب الجماعي)
 
المرأة الشجاعة 
بعد 3 أشهر، كانت المدة التي استطاعت نادية الهرب بعدها، متمسكة بأمل وحيد، وهو رؤية أمها، التي كانت تتجلى أمامها كطيف ، ففي أحد الأيام، هربت من بيت السائق، لكن الخروج من بيت (داعشي) في قلب الموصل العام 2017 لا يعني النجاة
 مطلقا. 
أدركت هي هذه الحقيقة وكان عليها أن تطرق باب أي من منازل الموصل وتطلب المساعدة، لكن من يضمن ألأ يكون ساكنو هذا البيت من المتعاطفين مع (داعش) أو المرعوبين منها؟ لا بديل في كل الأحوال. تهم بأن تطرق باب أحد المنازل، لكن تتراجع في اللحظة الأخيرة. كما تقول  ثم تقرر أن تطرق باب منزل آخر. من كان يسكن الباب الأول؟ هل كان سيتغير مصيرها لو طرقت بابه بالفعل؟ لا أحد يعلم، ما نعلمه أن المنزل الثاني كانت تسكنه أسرة موصلية وأن الابن الشاب ناصر ذا الـ25 من عمره، سيخوض مع نادية رحلة من الموصل إلى كركوك وهما يحملان أوراقا مزورة للعبور من أكمنة (داعش)، وأنهما كادا يتعرضان للقبض عليهما والموت أكثر من مرة في رحلتهما
 هذه. 
وحينما وصلت نادية أخيرا إلى كركوك ومنها إلى أربيل  كان عليها أن تلتقي أخاها (صباح) وكان عليها بعد ذلك أن تخبره بكل ما حدث لها في الموصل، وهي مهمة في مجتمع محافظ وتقليدي لم تكن سهلة مطلقا.  (فرحتي بهروبي لم تكتمل، إذ تلقيت نبأ مقتل والدتي، وبقاء 18 شخصاً من اسرتي لليوم في قبضة داعش، أنتظر لقاء من نجا من أسرتي وأنا أضع رأسي على الوسادة وأتوسل للرب أن أفيق في الصباح وأجد أن هذا كله كابوس والحياة في قريتي كوجو طبيعية وجميلة كما كانت)، هكذا قالت (نادية) عن تجربة هربها من قبضة
 داعش.
 
فصل من الجحيم 
الكتاب متخم بالرعب البشري ( الاغتصاب والذبح والضرب والقتل والاذلال) حتى نتصور  اننا  متورطون في ما يجرى.والأكثر رعبا، انه جرى هنا  في القرب منا وعلى  وفق تفسير شيطاني  انه كتاب عن الخسة والانحطاط بين إرهابيي عصابات داعش والمواطنين العاديين المتعايشين معهم. الكتاب ينقل العالم  الكابوسي ولكنه يحفز على مقاومة الشر، والاستمرار في الحياة، والأمل في الانتصار ولو بعد حين. تقول نادية (انه في هذه اللحظة التي كانت فيها أقرب إلى الانتحار من أي شيء آخر، وجدت نفسي اتمسك بالحياة رغما عني) ربما لأنها كانت تأمل في أن تنجو بمعجزة ما، وربما لأنها أدركت أن موتها لن يغير شيئا في الكابوس الذي تعيشه هي وعشيرتها، وربما لانها كانت تحلم بأن تفضح ممارسات (داعش) الوحشية يوما ما، والشخص الحي وحده هو الذي يستطيع أن يفعل ذلك، وربما لكل ما سبق، وربما فقط أرادت أن تبقى على قيد الحياة لأن ذلك هو الدليل الوحيد بالنسبة إليها وسط هذا الجحيم بأنها لاتزال
 إنسانه.
تسعى نادية مراد إلى نزع سلاح العار الذي يبقي العديد من الضحايا صامتين كجزء من مهمتها، ويتضمن الكتاب غضباً على أولئك الذين دمروا حياة شعبها. والانتقاد لا يستهدف (داعش) فقط ، كيف نحكم على المتفرجين على الشر؟ (إنني أريد أن أنظر في عيون الرجال الذين اغتصبوني وأراهم يساقون أمام قوس المحكمة.. والأهم أعلنت أمام الملأ أنني أريد أن أكون الفتاة الأخيرة في العالم التي تحمل في قلبها قصة مثل
 قصتي).
 
جائزة نوبل 
نادية مراد (26 عاماً) حصلت على جائزة نوبل هي والطبيب النسائي الكونغولي دوني موكويجي، تتويجاً لجهودهما لوضع حد لاستخدام العنف الجنسي كسلاح حرب.وعلقت في هذا الحدث بقولها: (جائزة نوبل هذه لن تقضي على العنف ولا الهجمات ضد النساء والحوامل والأطفال والرضع، لكن هدفنا هو أن تفتح هذه الجائزة الأبواب لذلك والأمر حصل
 فعلا).