في التَّساؤل عن جيل المئوية الجديدة

الأحد 20 تشرين أول 2019 4130

في التَّساؤل عن جيل المئوية الجديدة
 د. محمَّد حسين الرفاعي
 
[I] ما هي العالَميَّة الجديدة؟ 
لقد أتينا إلى الوجود في العالَم، بوصفنا كائناتٍ عالَميَّةً. هكذا، ومن دون حدود تفكير، وفهم، واضحةِ المعالِم، أصبحنا مواطنين عالَميِّين. من دون أن نضع نصب أعيننا أن العالَم الذي كنا نعرفه قَبلَ [ثورة- العالَميَّةِ]- الثورة السايبرانية، وبخاصة ثورة أدوات التوحيد Cosmopolitan Uniting التي من شأن العالَمية: جعلُ التَّضادّ والتعدُّد والاختلاف وحدة، التي يمكن أن نذكر منها: السوق العالَمية الواحدة ( نفط، ذهب، دولار)، على صعيد بِنيَة الاقتصاد العالَميَّة، من جهة أولى والدولة الحديثة، على صعيد بِنيَة السياسة العالَميَّة من جهة ثانية، والديموقراطية والحرية، فالفردانية، على صعيد بِنيَة الثقافة العالَميَّة، من جهة ثالثة- لم يعد كالعالَمِ الذي كنا نعرفه.
 
II] كيف تنتقل العالَميَّة؟ وأين تبدأ وتنتهي حدودها؟ 
تنتقل الثقافة المجتمعيَّة من جيل إلى جيل، بواسطة جملة المفاهيم المجتمعيَّة الخاصَّة والمحلية. ومتى قام التَّساؤل عن العالَم بوصفه جملةَ عوالِم، يمكن بسهولة العثور على المفاهيم المجتمعيَّة الخاصَّة والمحلية، بواسطة تجريد عالَم عن عالَم آخر، بواسطة ضروب الإنوجاد المختلفة داخل المجتمع الواحد، عَبرَ الهَويَّة واللغة والتراث المجتمعيّ. ولكن حينما تختفي الحدود الواضحة بين المجتمعات- العوالِم الثقافية، ومتى يسقط التباين بين الثقافات من أجل الانتقال إلى ثقافة واحدة ما، نكون أمام هَويَّة واحدة ولغة واحدة وتراث واحد. وهكذا نكون مباشرةً أمام هذا: تبدأ العالَميَّة حينما تنتهي حدودها، وتنتهي العالَميَّة في حدود ذاتها، متجاوزةً كل ضروب الخُصوصيَّة. 
 
[III] كيف تختفي الحدود بين المجتمعات والثقافات- العوالِم؟ 
إنَّنا أمام ظاهرة العالَمية على نحو جديد كُلِّيَّاً. الآن فقط، بعد وحدة الدولار ووحدة الدولة الحديثة ووحدة الديموقراطية، في العالَم بأسره، يمكننا أن نقول إنَّنا مواطنين لا تجمعنا هَويَّة أو لغة أو تراث، إلاَّ بقدر قربه إلى العالَميَّة، وإمكان انصهاره
 فيه. 
فإنَّ الهَويَّة تنفتحُ، أو تُرغم على أن تنفتحَ، على الاختلاف والتعدُّد والتنوع، بقدر ما هي تخرج من كونها هَويَّةً قومية ما. إنَّ اللُّغة تخرج من كونها لغة خُصوصيَّة ما إلى كونها لغةَ عالَم مفتوح على إمكان أن يكون عالميَّاً، [في- كُلِّ- مَرَّةٍ]. وإنَّ التراثَ يُعاد إنتاج الفهم به، وتأويله (هَرْمَنَطَقَتِهِ) لكي يصير متناسباً مع تراث العالَم. 
 
[IV] لماذا علينا أن نكون مواطنين عالَميِّين؟ 
جيل المئوية الجديدة لهو ابنُ العالَميَّةِ الذي لا يمكن أن يُحكم من دون أدوات وشروط إمكان الوجود ووسائل الفعل، التي من شأن العالَميَّة. وأي أداة أو شرط إمكان، أو وسيلة فعل تأتي من الخُصوصيَّة والمحلية، ولا يمكنها أن تجد توفيقاً بينها والعالمية، تفشل في السيطرة- الضبط- التحكم بالجيل الجديد. وهكذا نكون مباشرةً أمام الدولة.
 
[V] الدولة بوصفها تجسيداً لهوية العالَميَّة
إنَّ الدولة بوصفها تجسيداً لهوية العالَميَّة إنَّما هي تستمد ماهيَّتَها، ومبرِّرَ وجودها من كونها تتوفَّر على أقل تقدير على أربع سِماتٍ أصليَّة: 
I- الوطنية وفكرة المواطنة: القبول بالتعدد والاختلاف والتنوع بين الجماعات المختلفة وتوفير إمكان تمثيلها سياسيَّاً. 
 II - مصلحة الوطن فوق كل اعتبار 
III - سياسات اقتصادية: I- مالية تتعلَّق بالتنمية والنمو، وII- نقدية تستطيع القضاء على الفساد وتبييض الأموال والحفاظ على قيمة العملة الوطنية.
IV- علاقات خارجية مع دول الجوار، من جهة، والقوى العالَميَّة، من جهةٍ أخرى، تأخذ بمصلحة البلد كقيمة عُليا.
... بَيْدَ أنَّهُ ماذا يحصل حينما تغيب السمات الأربع هذه؟ أو تكذب دولة ما على نفسها بالأخذ بها؟ نكون أمام أشباه الدول. فتظهر مباشرةً أمامنا ثُنائيَّة [المجتمع- واللا دولة].