رؤية وسطية للثورة الحسينية

الأحد 20 تشرين أول 2019 139

رؤية وسطية للثورة الحسينية
د. عالية خليل إبراهيم
 
  في النصوص المسرحية العديدة التي تناول فيها الشاعر الراحل” محمد  علي الخفاجي” واقعة الطف  في كل مرة يقدم رؤية شعرية تنسجم مع ما يستجد من أحداث وتقلبات سياسية واجتماعية وثقافية في العراق والعالم العربي ،لو عدنا إلى نصه الأول” ثانية يجيء الحسين” كتبت المسرحية بعد هزيمة العرب في حرب1967 ، وقد تمثل في تناولها الواقع  السياسي والاجتماعي المتردي للبلدان العربية قبل الهزيمة وما بعدها ، .أما مسرحيته الأخيرة “ الحسين واقف في يساري” فقد كتبت  في ظل متغيرات مختلفة تماما عن سابقتها  تمثلت بظهور آفة التطرف الديني في العراق بعيد تغيير النظام 2003 وكان من نتائجها تفشي ظاهرة العنف والاقتتال وسفك الدماء بين ابناء الشعب الواحد لأسباب فئوية ومذهبية، فالنظرة إلى التدين أخذت تنحو منحى يمينيا متطرفا اقتضت العودة للوسطية والاعتدال والدعوة للتفكير الحر والموضوعي لمواجهة التطرف والمغالاة في ممارسة الشعائر الحسينية فجاءت كلمة اليسار في نص المسرحية للإشارة إلى تلك المضامين. بالعودة  للمراجع التاريخية نجد أن مصطلح اليسار ليس عربيا ولا اسلاميا ،فالقرآن الكريم ذكر ابناء الآخرة فمنهم من أصحاب اليمين وأولئك هم الفائزون بالجنة ، وذكر أصحاب الشمال وهم أهل النار، وكذلك كانت العرب تتفاءل بكل ما يأتي من جهة اليمين وتتشاءم من كل ما يأتي من الشمال أو 
اليسار.
 اليسار مصطلح سياسي وفكري غربي يرجع إلى  قيام أول هيئة برلمانية في العالم الغربي حيث جلس المحافظون إلى اليمين  وجلس المعارضون في اليسار، وهو مصطلح متعدد الدلالات يعارض الارتهان للثوابت السياسية والثقافية  ويرفض الامتثال للأفكار القبلية والمحافظة اجتماعيا  فتارة يعرف به الاشتراكيون، وتارة الثوريون الإصلاحيون ، وتارة أخرى يعرف به  الفوضويون دعاة الفنون الطليعية  . في كتاب (اليمين واليسار في الاسلام)  للمؤلف “ أحمد عباس صالح” عرف اليسار الاسلامي بأنه النهج الاشتراكي في التفكير الاقتصادي، وقد عد المؤلف أن النهج الذي بدأه الرسول الكريم بإنصاف الفقراء من الأغنياء وسار عليه من بعده “الإمام علي” وابناؤه وأصحابه هم من يمثلون تيار اليسار في تاريخ الاسلام ، وقد قال “ أحمد عباس صالح” عن ثورة الامام الحسين” وبذلك انتهت أول جولة لليسار مع اليمين انتهت بأروع استشهاد وأعظم بطولة” بذلك نرى أن محاولة “ الخفاجي” للربط بين ثورة الإمام الحسين وأفكار اليسار لم تكن الأولى وإنما سبقتها محاولات ،وما يميز تجربة النص المسرحي إنها تجربة فنية وأدبية لها خصائص شكلية وأسلوبية محددة ولها وظيفتها الجمالية بالدرجة الأولى إضافة إلى ما يرشح عن البناء الفني للنص المسرحي من دلالات فكرية وثقافية . 
 لم يكن البناء الفني للنص بناء تراجيديا مأساويا كما ترسخ في وعي المتلقي من خلال كتب المقاتل أو النصوص المسرحية الأخرى التي تناولت الواقعة وإنما جاء البناء سرديا تاريخيا يحاكي الأحداث والشخصيات بتواتر منطقي وبشرح موضوعي لأسباب الثورة ونتائجها بعيدا عن التأثير الانفعالي الآني. في وصفه مصارع اصحاب الحسين تجنب المؤلف تمثيل العنف والقتل والتنكيل مباشرة على المسرح وإنما قد يأتي النص ببدائل صوتية ومرئية تومئ إلى حادثة القتل ولا تصور بشاعتها، كما ورد في مقتل العباس “ تختفي شخصية العباس في الغبرة تدريجيا تميل الراية ويختفي القمر في غيمة، أرى ضوء قمري ينكسر ،أرى قمري يغيب” وهكذا باستثمار تقنيات المسرح لم يصدًر النص لوازم ومكملات ثقافة العنف ومنها ذكر المبارزة بالسيف ومشاهدة الدم المراق. أما لغة النص فهي نثرية على الأغلب ، فالنثر لغة الحياة اليومية  تلك اللغة التي تضمن للحدث والشخصية الانسياب والتوازن مما يسهم في التخفيف من العبء الاسطوري  لتمثل واقعة استشهاد الحسين في عقول ووجدان الجمهور، وقد شكل الاقتباس  من نص نثري قديم من نصوص التعازي ظاهرة لغوية بارزة، هذا النص دونه الباحث (محمد عزيزة) باللغة الفرنسية’ في كتابه “ الاسلام والمسرح” وترجمه إلى العربية(رفيق الصبان)،، من المقاطع المقتبسة من النص الفرنسي المترجم وفيه تخاطب السيدة زينب أخاها الحسين:
“ استيقظ يا أخي 
استيقظ
فقد اسود وشاحي باقتراب أجلك
ان وردة الرمال
تنغلق على بلورها
والبوم الخائف
يرسل نعيبه
اي نبوءات قاتمة تلك
يا سهل كربلاء الحزين”
يجمع المقطع المذكور بين كثافة الموقف الشعوري واللغة البسيطة المتداولة في الحياة اليومية . وفي النص مقاطع شعرية موزونة تناسب موقف الشهادة التراجيدي .
تبقى محاولة رؤية ثورة الإمام الحسين بعين أفكار اليسار في نص” الحسين واقف في يساري” محاولة قابلة للجدل سواءً أكان ذلك على المستوى الفكري إذا قلنا إن القرن الأول الهجري قد وصم بالنزاعات الحزبية والدموية في تصفية الخصوم وقد تبدو وقائعه بعيدة عن اليسار، أو على مستوى البناء الفني للنص فهل أن تكرار سرد الواقعة التاريخية في المسرح  يقدم رؤية يسارية مغايرة لثورة الإمام 
الحسي ؟