المؤتمر الإقليمي المؤجل

الأحد 20 تشرين أول 2019 125

المؤتمر الإقليمي المؤجل
عبدالامير المجر
 
 كتبنا كثيرا عن ضرورة انعقاد مؤتمر اقليمي، يجمع العراق وايران وتركيا والسعودية، لبحث مستقبل المنطقة، لاسيما بعد ان علقت جميع تلك الدول، بشكل او بآخر، في وحل الازمة السورية، التي أضعفت الجميع، بسبب ما استنزفته من ارواح واموال ووقت ضائع، ووسعت الهوة بين تلك البلدان التي يجمعها الكثير اقتصاديا وثقافيا، ومصيريا ايضا، بحكم التحديات المتشابهة، ويفرقها القليل الذي بالامكان اعدامه بالتحاور .. 
 لم يتحقق المؤتمر، وانما تحقق المزيد من التنافر والتدافع لتحقيق مكاسب شبه مستحيلة، وهو ما باتت تدركه جميع انظمة تلك الدول الآن. مؤخرا، انسحبت القوة العسكرية الاميركية من شمالي سوريا، وهو ماكان متوقعا، لانتفاء القيمة الستراتيجية لبقائها، ليس فقط، لان تغيير النظام في سوريا بات امرا مستبعدا، نتيجة التدخل الروسي، الذي جاء بالتفاهم مع الاميركان، اصلا، في سياق رؤية جديدة للمنطقة، بل ايضا لعدم امكانية اقامة كيان كردي، شبه مستقل، شمالي سوريا، نتيجة لتوحد المواقف بين ايران وتركيا وخلفهما روسيا والصين، لاسيما بعد الاستفتاء الكردي، المتزامن، في اقليم كردستان العراق وشمالي سوريا العام 2017. 
انسحاب اميركا جاء بعد جدل طويل ومناكفات اميركية تركية، بسبب تخوّف الاخيرة من اقامة كيان كردي على حدودها الجنوبية، على غرار العراق، مايعني ان مشروع الدولة الكردية بات حقيقة، وقد يعصف بجنوبيها المضطرب اصلا، فاستخدمت الورقة الاقوى، الا وهي الاتجاه نحو روسيا، اذ عقدت حكومة اردوغان صفقات سلاح كبرى مع موسكو، وجدت اميركا انها ستمهد لتحوّل ستراتيجي يقوّض حلف الناتو، ويضع اميركا امام خيارين، اما تركيا وموقعها الحيوي الذي يمثل مصدا لوجستيا للروس ويخلق توازنا مع الايرانيين، او الدولة الكردية التي لن تكون ولادتها طبيعية، بسبب الموقف الدولي من وحدة دول المنطقة، وحسابات المصالح بالنسبة لاوروبا وروسيا والصين التي ستصطدم جميعها بهذا المشروع، لان من غير السهل السيطرة على تداعياته.
 هذه الحقائق التي صارت معروفة للجميع اليوم، باتت تلزم انظمة المنطقة في ايجاد حلول واقعية لمشاكلها، بدءا من القضية الفلسطينية التي تسبب اختلاف سبل التعامل معها الى اضعافها، لان الانقسام الخارجي تردد صداه بقوة في الميدان الداخلي الفلسطيني، حتى وصلت الامور الى ما وصلت اليه، حيث وضع القدس والتوسع الاسرائيلي المستمر، مقابل  شبه صمت دولي، لغياب الصوت الواضح بشأن الحل، من الدول المعنية ومن الفلسطينيين انفسهم .
وضع المنطقة المزري، والصراعات غير المجدية التي انهكت الجميع، يجب ان يكونا حافزا للانظمة، والتفكير جديا في مستقبل الشعوب التي لا ناقة لها في هذه الصراعات ولا جمل، ومن بين الذين يجب ان يقفوا امام انفسهم طويلا، بعض الزعماء الكرد، ويتأملوا كيف استخدمت قضيتهم كورقة، وفي اكثر من دولة، بعد ان استثمرت الدول الكبرى، لاسيما اميركا، تطلعهم لاقامة دولة قومية تجمعهم، واستعدادهم لحمل السلاح من اجل ذلك، سواء في العراق او ايران او تركيا، واعتقادهم ان اميركا والغرب سيمهدون لهم الطريق وصولا الى حلمهم، لكنهم ظلوا يصطدمون كل مرة بالخذلان، الذي تستدعيه لعبة المصالح وتوازنات القوى، التي يصعب تغييرها، بعد ان استقرت على افرازات الحربين العالميتين، ولن يتغير واقع الشرق الاوسط، تحديدا، المعقد والمتشابك في علاقاته الاّ بحدث عالمي كبير على حد قول احد الزعماء الكرد، ما يعني انهم باتوا معنيين بترتيب اوراقهم في الدول التي هم فيها، بدلا من هذا النزيف المستمر من دون طائل، ومنذ قرن من الزمن.