علي الشباني.. شاعر حداثي مجدد في القصيدة

الثلاثاء 29 تشرين أول 2019 149

علي الشباني.. شاعر حداثي مجدد في القصيدة
سعد صاحب 
 
الماء ثيمة مركزية في شعر علي الشباني ، وتكاد لا تخلو قصيدة من هذه المفردة المعبرة ، ذات الحساسية العالية في معانيها المتعددة . هو لاياتي بحالة واحدة ثابتة ، بل يأخذ هيئات كثيرة متناقضة ، فمرة يجيء بهيئة رواء من عطش مرير ، ومرة يصبح حسيا مرتبطا بالانثى ، ومرة يكون ودودا قريبا من الروح  ، واخرى حاقدا يغرق الاطفال في سورة غاضبة . 

(سولف الشرجي لبس روحي ومشه / سولف وغيمك لبس روحي ومشه / جاس البحر كلبي ومشه / جاس الهوه جاس الدمع / جاس الليالي الموحشه / سولف نزع ثوبه الشجر / سولف لبس روحه البحر / سولف ترس روحي قهر / روحي قهر / روحي قهر / وانت حبيبي الماي / بس يمته تفك باب النهر ). 
 
ثراء
الأم في كتابات الشاعر حاضرة بقوة ، ولها اولوية انسانية معززة بالحب والايمان والوفاء واليقين ، فهي الدفء  والود والرقة واللطف والنشاط ، والشمس المضيئة على وجوه الاطفال في الصباح ، والثراء في زمان الفقر ، والقلب النابض بالمودة لكل الناس ، والشباب الابدي الذي لا يهرم ولا يشيب. هذه الام حين يستدعيها الشاعر ،  في اجواء عرفانية ، على العكس من المرأة المعشوقة التي يكون حضورها  جسديا ينتمي الى فعل
 الاثارة . 
( امي طشت غيبتي بماي العصر / والطيرة المعرسه استحت / علكت بليل السطح شمعه وبخت / حنت السدره وتحت فيهه غفت / تغرف الكمره فرح بالشيله / صادت بماي الكمر نجمه جميله / سولفت همي وبجت / غابت النجمة
 وعمت ). 
مدارس
الطفولة لها حضورها الطاغي في قصائد الشباني ، لكنه يركز على الطفل المتقلب المزاج ، صاحب الشخصية المشاكسة والروح العنيدة، ذاك الذي يسهر الليل لاهيا بالالعاب، ما يتعذر عليه النهوض فجرا الى المدرسة، واذا مضى اليها هل يجد العذاب ام السعادة ، وهنا يتجلى سر الطفولة وتارجحها، بين الادوار التي يلعبها الطفل مقلدا ، وبين عدم النضج والاكتمال ، وبين الخوف على الفرح من التبدد في المتاهات عند المراهقة والشباب . 
( اكبر جرف ياحزن / والماي ذاك الماي / اصهل فرح بالمطر / والملح ذاك الملح / هيه المدارس فرح / حتى اركضلها الصبح / يكبر بروحي الفرح خنجر واطيحن جرح ). 
 
عشق 
لم تخمد شعلة العشق الحسي بداخله حد الممات ، والريح القادمة من داخل النفس العاشقة، هي التي تؤجج لهيب الاشتعال، وما كان عشقه للجسد الجميل عابرا، مثل نزوة تنتهي بزوال ازمة نفسية تحرضه على محبة النساء، هو شيء متأصل في الذات، لا يختفي ولا يتلاشى الا عند الرحيل. 
( بثيابي تلبد شمس والحجي اليمشي وياي / اركض برد ع الرمل / ارجف واسيلن ماي / ياخذني خوف العشب / والماي حد الروح / يومي العطش بالكلب / واتحرك بكل نهر / يغرك جسر كل نهر / اسكت واصيحن فيض). 
 
حرارة 
الحب يمنح العاشق الكثير من الحرارة ، والشاعر يحتاج الى مثل هذه الحماسة ، والشباني يجيد قيادة المراة بشكل سلس ، لكن الذي حدث لفارس الغرام ، ان المعشوقة بدأت تتلاعب به كما تريد . وحين انتهت علاقتها به تمنى الموت ، لانها كانت اخر الاحلام المستحيلة في ذاكرة الغياب . 
( وج الخضار بغصن عمري ولبست الريح / متعني روحي نهر / شال النبع طيره / تلهث بكل الجنح / والوطن عش محترك / وانه الزغر عافني / نخله اعلى جرف العشك / تعطش اطيحن تمر / تعطش اسافر ماي / للهامة بيه الصبر / وانت اعلى ذيج وهاي ) .
نهر
في شعر الشباني ربيع دائم الخضرة ، يتضح من خلال مفرداته الضاجة بالحياة ، مثل الماء والطيور والنبع والبساتين والنهر والشمس والشجر والهواء والمشاحيف، فهو يمتدح الطبيعة بكل ما تحتوي من النماء والخير والعطاء، الذي تمنحه للناس بلا مقابل  . والشاعر في اواخر ايامه الحزينة ، عاش مشمئزا حتى من النساء والطبيعة ، ربما ليترك الوجود بلا
اسف . 
(وامشي بسواجي الكتب غركان / يا ذاك الرصيف شكد دمع مليان / غركان بيه الحجي ولو وجه الك مشحوف / اركض على سجتك / مزنه وهواك يطوف / بستان روحي غدت وينام بيه الليل / بستان روحي كبر بيه الطيور تنام / هاكثر شوك الشعر بيك وتظل محتام). 
 
حداثة
علي الشباني من الاصوات الحداثية المهمة ، المتمردة على وظيفة الشعر القديمة ، الخارجة عن النسق العام بدراية وخبرة واجتهاد ، المبدعة بلغتها الشعرية المراوغة ، فالنهر لم يعد نهرا في القصيدة ، والشجر متغير الدلالة ، وكل الاشياء الاخرى تتشظى بمعانيها ، والشعر مهما كان بسيطا يبقى غامضا وغير مفهوم . 
( لو يغني الكاولي كلكم سكوت / لو دره البلبل بواجيه غنه/ يبلع لسانه ويموت ). 
 
راية
رفع راية المغايرة منذ مطلع الستينيات ، مع الشاعرين المجددين عزيز السماوي وطارق ياسين ، لكون الثلاثة ينتمون الى مدرسة شعرية واحدة ، برغم الاختلاف في الاساليب والاشكال والمواضيع والرؤى ، وما زالت حشود الشعراء تناضل ، من اجل اكتشاف المعاني الجديدة للكلمات . 
( كبران بيه العكد / كبران بيه الوكت / كبران بيه الليل / والحيره كامة عطش تصعد بروحي سمه / لو ع الكلب مريت / ولو جاس روحي العشك زغران ارد للبيت). 
 
كمال
يعتقد انه بلغ الكمال الشعري، وهذا الشعور منحه طاقة ايجابية كبيرة ، توازي ما يدور بداخله من ابداع، وحين كبا جواده في ميدان الحب، سيطرت عليه الكآبة واستحوذ الشعور السلبي ، واصبح من المستحيل عليه تجاوز هذه المحنة، وتوقف عن مزاولة الكتابة، واي نشاط اخر في الحياة . 
( امش كوه / بعد ما مش ولك خوه / بعد ما يسهر الحزنك صديقك باب / وانت كتاب / واوراقك حزن وتراب / ظل ميت / ولك دنياك عميه وما يفيد عتاب / والوادم بحر شيوصل الغركان / والدنيه سفينة خوف مفتاح وخذه
 السفان). 
 
عزيز السماوي 
ميول الشباني كانت فطرية تجاه الشاعر عزيز السماوي، تكمن قوتها الخلاقة في نزعات متعددة، اهمها التوافق السياسي والشعري والنفسي ورابط الصداقة الوثيق ، وقوة شخصية الطرف الاخر، وشعبيته في محافظة الديوانية، وشعريته الذائعة الصيت بين المثقفين، وحاجته الشديدة اليه وهو غائب  . 
( جم باب / كل خطوة قفل جم باب / يا ليل السوالف والعذاب / جم باب بالوحشة الك جم باب / غريب وبالمدينة تروح روحي وما ترد وياي / سولف ما ترد
 وياي ).