بوكو حرام تهدد أمن نيجيريا مجدداً

الجمعة 01 تشرين ثاني 2019 118

بوكو حرام تهدد أمن نيجيريا مجدداً
ديون سيراسي
ترجمة/ بهاء سلمان
وقف عبدول ذو العشر سنين وسط طريق ترابي في قرية تحيطها حقول الدخن ورفع قميصه، ليظهر ندبا حديثا لعملية جراحية أسفل معدته لجرح عميق أصابه نتيجة لتفجير انتحاري نفذه أحد أفراد بوكو حرام خلال الفترة القليلة الماضية، فأرسل شظايا مزقت بطنه.
وتجمّع ستة أطفال آخرون حوله ورفعوا قمصانهم، ليظهرون ندوبا أخرى متفاوتة في حجمها جرّاء الاعتداء ذاته، بينما كان من المفترض أن حرب نيجيريا ضد الجماعة الدينية المتشددة "بوكو حرام" قد انتهت الآن. وأعيد انتخاب الرئيس محمد بوهاري، وهو حاكم عسكري سابق، هذا العام بعد تفاخره بالاكتساح العسكري لبوكو حرام؛ حيث أعلن مرارا أن التنظيم المسلح قد "هزم فنيا". لكن، قبل أسابيع، أقر الرئيس بكون "أعضاء التنظيم لا يزالون يمثلون مصدر إزعاج".
 
خصم شرس
بعد عقد كامل من الحرب، لا يزال مقاتلو بوكو حرام يجولون الأرياف دون خوف، ولديهم طائرات مسيّرة (درون) أكثر تطوّرا من نظيراتها لدى الجيش النيجيري، وهم مسلحون بمستوى اعلى من الجيش ويشنون هجمات ناجحة ضد أفواجه، بحسب سياسيين محليين ومحللين أمنيين.
ويسيطر المسلحون على أربع مناطق من أصل عشرة تؤلف ولاية شمال بورنو، القريبة من بحيرة تشاد، وفقا لتقارير أمنية. وتمكنوا من تحقيق أهداف تشن يوميا تقريبا، بضمنها اطلاق النار على موكب حاكم الولاية قبل عدة أسابيع. وبالنسبة لسكان القرى، مثل قرية كوندوغا، يبدو أن هزيمة بوكو حرام بعيدة المنال؛ وقد قتل خلال الهجوم الذي أصاب عبدول ورفاقه ثلاثون شخصا، بينهم ثمانية أطفال.
ومن خلال عدة روايات، يعاني الجيش النيجيري من هبوط المعنويات، ويتخذ موقفا دفاعيا؛ واشتكى بعض الجنود من عدم ذهابهم الى منازلهم منذ ثلاث سنوات، كما ان أسلحتهم وعجلاتهم بحالة سيئة وبحاجة الى صيانة. وقبل شهرين، قام القائد الجديد للجيش "لافيا دول"، ومعناه "السلام بالقوة"، بتذكير ضباطه بإعطاء الجنود الطعام والماء؛ وهو القائد الثامن خلال عشر سنوات.
وأعلن الجيش قبل شهرين سحب قواته من مخافر الأرياف البعيدة جدا لتجميعها ضمن مستوطنات محصّنة يطلق عليها "معسكرات ممتازة"، موجودة داخل بلدات تقع على الخطوط الامامية للمواجهة، حيث قام الجيش النيجيري خلال السنوات الأخيرة بتوطين عشرات الآلاف من المدنيين، إما بسبب ملاحقة بوكو حرام لهم، أو إحراق الجنود لقراهم بقصد تجميعهم فيها، بدعوى تأمين الأرياف. وتطوّق هذه البلدات خنادق لإبطاء هجمات المسلحين، إلا أن انسحاب الجيش سمح لمقاتلي التنظيم الإرهابي بحرية التحرك وسط الريف القاحل.
 
هجمات متفاوتة
داخل احدى المعسكرات الممتازة في منطقة باما، وذات ظهيرة، كانت هناك دبابة مموّهة تترنح بسيرها في الشارع، ويتطاير من تحتها الدخان، وبدا مسارها وكأنه أسنان متحلحلة على وشك السقوط؛ وكان يقودها جنود بلا خوذ يرتدون قمصانا خفيفة، مع رامي مدفع يضع تاجا من الأوراق على رأسه، وانجرفت الدبابة باتجاه حافلة صغيرة كانت متوقفة بشكل سد الطريق جزئيا، لتحطمها تلك العجلة تماما. وقال الرائد آك كارما، وهو جالس خلف مكتبه في منطقة قريبة من الحادث داخل مقر قيادة معسكر باما، قال أنه تم إحباط هجوم بوكو حرام قبل عدة أسابيع، لكنه قلل من أهمية التهديد: "نواجه هجوما أو هجومين من قبل الارهابيين، لكن هذا لا يعني أنهم يملكون القدرة على شن هجوم كبير، فمنطقة باما محصّنة." 
لكن المعسكر، بعد أيام قليلة، تعرّض للإعتداء.
مزقت الحرب مع تنظيم بوكو حرام سكان أرياف شمال شرق نيجيريا، أحد أكثر أفقر مناطق العالم، فقد فر أكثر من مليوني فرد من منازلهم، وقتل عشرات الآلاف وأصيب عدد أكبر، ووقع الكثيرون أسرى الخطف لارغامهم على المشاركة في القتال. وأشار تقرير للهيئة الدولية للصليب الأحمر صدر مؤخرا الى فقدان نحو 22 ألف نيجيري خلال 
الأزمة.
قبل عدة سنوات فقط، بدا الحال وكأنه يحمل آمالا أكثر، فخلال العام 2015، وبعد انتخاب الرئيس بوهاري للمرة الأولى، شن الجيش النيجيري حملة ضخمة لدحر بوكو حرام، لإخراج المسلحين من مدينة مايدوجوري، عاصمة ولاية بورنو، ومن المدن الصغيرة التي كان يسيطر عليها التنظيم، متعقبا مخائبهم داخل الغابات. لكن مع مرور السنوات الأخيرة، واستمرار الحرب، توجه تركيز نيجيريا صوب مشاكل أمنية لمناطق أخرى، مثل حروب العصابات والمتشددين المتمركزين في منطقة زامفارا شمال غرب نيجيريا، والمعارك الشرسة حول حقوق الأراضي وسط البلاد، وحالات القتل غير القانونية التي مارسها أفراد من الشرطة، اضافة الى حالات الاختطاف مقابل الفدية عبر البلاد بأسرها. كما أعلن الرئيس بوهاري عن خطط لنقل مواطني بلاده من جنوب أفريقيا، حيث كانوا يتعرّضون الى ما يعرف برهاب الأجانب.
 
جيش هزيل
القادة العسكريون بدورهم، والذين واجهوا شكاوى بسبب تقادم ستراتيجياتهم وعدم فاعليتها، أشاروا الى أن المعسكرات الممتازة تعد وسيلة جديدة وذات فاعلية أكبر للتعامل مع حالة تمرّد قادرة حاليا على تنفيذ هجمات أكثر تعقيدا ضد الجيش. بيد أن بعض المسؤولين يطلق على المعسكرات الممتازة وصف التراجع الصريح، فقد أكد أحد المسؤولين الحكوميين، طالبا عدم ذكر اسمه خشية ملاحقة العسكر له بسبب انتقاداته لهم، أن كل ما يفعله الجنود هو حماية أنفسهم داخل المعسكرات الممتازة، مشيرا الى نهب مقاتلي بوكو حرام للأمتعة التي يتركها الجنود خلفهم عند تركهم لمواقعهم باتجاه المعسكرات الممتازة.
وربما يعمل الفساد على إطالة أمد الحرب، بحسب بعض مسؤولي الحكومة والمحللين الأمنيين وعمال الإغاثة. في شمال شرق نيجيريا، لطالما تم توجيه أصابع الاتهام الى انتفاع التنظيم الارهابي من صيد السمك في بحيرة تشاد، حيث جميع أنواع الصيد هناك محظورة قانونا، ومن فرض اتاوات على العجلات المارة. حاليا، يتم اتهام الجيش بفعل نفس 
السلوكيات.
وتخصص الحكومة نحو ثمانين مليون دولار كل ثلاثة أشهر للمجهود الحربي، ومع ذلك، يفتقر الجنود النيجيريون الى كثير من مفردات المؤونة والرعاية الطبية، الأمر الذي يجعل المواطنين يتساءلون عن مصير جميع هذه الأموال، والى أين تذهب. ومع مطلع هذه السنة بمنطقة ران، حيث لا توجد انارة بعد غروب الشمس، غادر جنود ساخطون لا يمكلون معدات نظر ليلية مواقعهم، بحسب بعض أفراد أعمال الإغاثة.
يقول أبوبكر، 13 عاما، إنه كان عائدا الى المنزل من المدرسة في بلدة غوبيو أواخر شهر آب الماضي، عندما سمع بضعة جنود يصرخون وهم يسرعون الخطى أثناء فرارهم من البلدة: "اهربوا وانجوا بحياتكم. بوكو حرام قادم." ويقول الصبي أنه شاهد الجنود وهم يخلعون ملابسهم العسكرية ليرتدون أزياء مدنية، وأوقفوا عجلتهم العسكرية تحت احدى الاشجار، وتكدسوا داخل احدى السيارات المدنية لينطلقوا مسرعين.
 
تخاذل وفرار
وقالت امرأة من سكنة غوبيو أيضا، طلبت عدم ذكر اسمها، إن أربعة جنود مذعورين اختبأوا لدى عائلتها، وخمسة آخرين انتقلوا الى منزل جيرانها، مشيرة الى بقائهم صامتين على مدى يومين مع نهب المسلحين للبلدة، الذين تفاخروا بصوت عال لمقدرتهم على السيطرة بسهولة على المنطقة. وهرب غالبية السكان والجنود أثناء الهجوم، الذي قتل على اثره ما لا يقل عن ثلاثة أشخاص، بحسب مسؤولين. وبعد عدة أيام، عاد بوكو حرام، لينهبوا أدوية إحدى المستشفيات ويضرمون النار في المباني الحكومية وخيم الجيش، وانطلقوا مسرعين بعجلات عسكرية تركها الجيش.
ويعتقد المسؤولون أن الهجمات نفذت من قبل ’الاقليم الأفريقي الغربي‘، وهي جماعة منشقة من بوكو حرام، تضم نحو ثلاثة آلاف مقاتل يدعمهم قادة تنظيم "داعش" الارهابي. وانشق هذا الفصيل من القوات التي تعمل تحت إمرة "أبوبكر شيكاو" قائد تنظيم بوكو حرام منذ فترة طويلة، على خلفية عدم رضاهم على هجمات نفذها ضد المدنيين المسلمين. 
ومنذ سنة 2018، تحرك هذا الفصيل المتشدد، الذي يتلقى الارشادات الدعائية من تنظيم "داعش" الذي كان يتخذ من سوريا مقرا له، وقام بشن هجمات ضد مقر قيادة إحدى الألوية العسكرية ومركز رئيسي لقوات متعددة الجنسيات تبذل جهودا لمكافحة الارهاب، سارقا كميات هائلة من الآليات والأسلحة، بحسب مسؤولين ومحللين. ويعتقد أن هذه الجماعة قد انفصلت الى عدة فصائل، البعض منها يسيطر على مناطق قريبة من بحيرة تشاد وأماكن أخرى، ويدير شؤونها القضائية والخدمية والأسواق، بحسب فنسنت فوتشر، المستشار لدى مجموعة الأزمة الدولية.
 
أهون الشرين
يتحدث الناس الذين يعيشون في بعض المناطق الخارجة عن قبضة الجيش بأنهم حاليا متعايشون ومتسامحون مع وجود المسلحين بينهم، فقد عاد أبناء المناطق الى ديارهم ومزارعهم لكسب قوتهم، مفضلين ذلك الحال على تجميعهم داخل معسكرات تجعلهم عرضة للإصابة بالكوليرا وأمراض أخرى. وعمدت بعض وكالات المعونة الى تقليص تواجدها وأعمالها، معتبرة كون الأزمة قد طالت جدا لدرجة لا تحسبها تمثل حالة طوارئ شديدة. يأتي هذا الوضع في خضم تقارير لنشاطات شبه يومية للمسلحين، من رمي قنابل يدوية على مركز للأمم المتحدة في بانكي، وهجوم قبل عدة أسابيع على قافلة معونات قتل فيها المسلحون أحد السواق وخطفوا خمسة عمال بالقرب من دامباو، وتفجير انتحاري أصاب أربعة أشخاص بجروح في ديكوا.
ولم تتعرض مدينة ميدوجوري، المركز التجاري الحيوي شمالي البلاد، الى اعتداء منذ أشهر، غير أن عمال الإغاثة والمسؤولين يقولون إن المدينة محاطة بالارهابيين . وهجم أفراد تنظيم بوكو حرام نهاية آب الماضي على أحد ضواحي المدينة لسرقة المواد الغذائية والملابس، بحسب أفراد "قوة اليقظة" المساندة للجيش النيجيري. ومن أحد المراكز القتالية الأمامية مع منظر طبيعي أخضر اللون، أشار أفراد اليقظة الى مكان بعيد، باتجاه معسكرين معروفين لبوكو حرام لا يبعدان أكثر من خمسة أميال، وهم يتناوبون على مراقبة تحركات الارهابيين بكل حذر، في مكان يعد الخط الأخير من خطوط الدفاع للخاصرة الجنوبية الشرقية للمدينة ضد بوكو حرام.