الغريب!

الثلاثاء 12 تشرين ثاني 2019 96

الغريب!
 جواد علي كسّار
لم أحظَ بلقائه، لكن لا تزال ذاكرتي طازجة بلقاء والده، الذي كان يتلقف الشباب بكلمات ترحيب دافئة ومُحيا طلق، ولا غُرو، فقد كان يحمل بحقّ لقب «عالم الخطباء وخطيب العلماء». أما أنه «عالم الخطباء» فلأنه بنفسه عالم جليل تشهد له حاضرة النجف ومؤلفاته، لاسيما موسوعته الجليلة: «أدب الطف» كما هو سليل عائلة علمية هي «آل شبّر» معروفة بكثرة رموزها العلمية والأدبية والثقافية والجهادية.
أما أنه «خطيب العلماء» فقد حضرت بنفسي أحد مجالسه نهاية سبعينيات القرن الماضي، كان من حضّاره السيّد محمد باقر الصدر والشيخ محمد جواد مغنية وأضرابهما من كبار الحاضرة النجفية.
إنه السيد جواد شبّر العالم المجاهد والخطيب الشجاع الذي مضى قتلاً تحت طائلة الإرهاب الصدامي، وقد ربطتني علاقة طيبة بولده الشهيد حامد شبّر، ثمّ بولده الخلوق المهذب الراحل أمين شبّر، دون أن يكون لي نصيب علاقة مباشرة مع نجله السيد صلاح شبّر. لكن كل من يعرف صلاح يذكر أنه ورث شجاعة والده في تحدّي النظام الساقط ومعارضته، إلى أن انتهى إلى السجن، وفي لحظة مؤاتية هرب إلى الخارج ليمضي في الغربة قرابة أربعة عقود.
حمل في الغربة همّ العراق على أكتافه وهو يطوف في مختلف بلدان العالم، فأُعتقل في أميركا، وطُرد إلى كندا، ثم راح يجول من بلد إلى آخر، دون أن يثنيه ذلك عن استكمال دراسته الأكاديمية، فحصل على الدكتوراه من لويزيانا، وعلى خطّ موازٍ اشتغل على التأليف، فكان من بين أبرز مؤلفاته، «ثيولوجيا التشيّع السياسي بين حق الله والشعب وواقع الممارسة»، «لماذا لا يثور العراقيون؟»، «آركيولوجيا العقيدة الحسينية»، «سرّ صدام»، «الحزبية والإسلام السياسي الشيعي»، «أيام اعتقالي في السجون الأميركية» إلى غير ذلك من المؤلفات.
عاد بعد السقوط إلى بغداد وتفرّغ للعمل في وزارة الصحة مستشاراً، على أمل بناء نظام طبّي جديد للعراق، لكن تجربته لم تدم أكثر من سنة واحدة فقط، حفظها بكتاب أصدره، بعنوان: «366 يوماً من العمل في وزارة الصحة».
يكتب صلاح باللغتين العربية والإنكليزية ويتحدّثهما بطلاقة، هادئ، لين العريكة، نبيل يفيض شهامة ويهرع لمعونة الآخرين، بهذا وأكثر وصفه جميع من عرفه وعاشره وعمل معه. ببراءة مشوبة بشيء من روح الطفولة جلس يوماً في مقهى الشابندر بالمتنبي، وقال: أردت أن أراقب حركة الناس مع مؤلفاتي، وأقيس طبيعة العقلية العراقية من خلال شارع الثقافة.
من كبريات قناعاته ان السياسي في العراق سرق الثقافة، وهي سرقة مؤقتة ستنتهي، وان نهضة العراق لا تكون إلا بمرتكزات ثلاثة، هي الوطنية العراقية والعنصر الديني والقومي، وان من أبرز مشكلات الإنسان العراقي انكفاءه على هموم نفسه، في حين ينبغي لهذا الإنسان في المنعطف الحاضر، أن يعمل بطاقة ثلاثة أشخاص لتعويض الكوارث التي مرّ بها.
كان دائب التركيز على البعد الحضاري للعراق، دائم الدعوة إلى ضرورة أن يَقرأ العراقي تاريخه، لكي يعرف قدره وقدر بلده، كما كان من أساسيات نقده لمنهجنا التعليمي، أنه أنتج مدارس بلا ثقافة، تُراكم المعلومات وتُعلم القراءة والكتابة وحسب.
كان يدعو إلى إعادة بناء الأدوار من خلال تركيزه على حاجة المجتمع العراقي إلى المثقف الاجتماعي وعلماء الاجتماع والفاعلين الاجتماعيين، أكثر من حاجته إلى السياسيين والدينيين، مع التوازن وحفظ الأدوار؛ رحم الله د. صلاح شبّر.