زمن التحولات العولمية المفرطة

الثلاثاء 12 تشرين ثاني 2019 158

    زمن التحولات العولمية المفرطة
الكتاب: اللّاأمكنة، مدخل إلى أنثروبولوجيا الحداثة المفرطة
 المؤلف:  مارك أوجيه
 ترجمة:  ميساء السيوفي
الناشر :  هيئة البحرين للثقافة والآثار
مارك أوجيه أحد أشهر الأنثروبولوجيين المهتمين بالحياة اليومية المعاصرة يفتح في هذا الكتاب، آفاقا جديدة عن (الحداثة المفرطة) التي يتوقع أن توجه الباحثين إلى دراسة نمطٍ جديد من الفردانية ومن عزلة الانسان المعاصر. أوجيه اشتغل على المفاهيم الأنثروبولوجية للأمكنة في تنبهه إلى مفهوم (اللا أمكنة) في عصر الحداثة المفرطة. مع حركة تاريخ حداثي آخذ بالتسارع في تضاعف سير الأحداث بسرعة رهيبة جدا في العالم كله، ولا يسمح هذا التاريخ المتسارع جدا لأي إنسان بالتأمل فيه لندخل إلى تواريخ اللا أمكنة!
 يسجل مارك أوجيه ظهور فرط الحداثة: في كل مكان تكتسح المجتمعات في  طريق تصاعد أكثر من أي وقت مضى ، أكثر سرعة ، من أي وقت مضى أكثر تطرفا في جميع مجالات الحياة الاجتماعية الفردية، التمويل والاستهلاك ، والاتصالات ، والمعلومات ، وتخطيط المدن ، والرياضة ، والعروض ، انها التحديث الزائد ، وإكمال الحداثة. فإن التوتر المفرط الحداثي واضح على نطاق عالمي ويمكن أن يؤدي إلى السعادة أو الرعب.
 
 من الأمكنة إلى اللاأمكنة 
يقول أوجيه أين أنت حين تكون في الطريق السريعة أو في محطة قطارٍ أو في مطار أو في طائرة، أو في فندق أو في مساحات التجارة الكبيرة أو في مخيمِ لاجئين؟ أنت في فضاء السرعة والعبور والمؤقت. أنت لست في مكان وإنما في اللامكان. المكان، في معناه الأنثروبولوجي، لا يكون مكانا إلا بما ينتسج ويثبت فيه من رموز ومعانٍ، عبر المسارات والعلاقات والأفعال والأحاديث وما ينبعث فيها من احتمالات. كل مكان لا هوية له ثابتة، لا تنسج فيه العلاقات ولا تستمر، لا ملامحَ تاريخية له، هو واحد من هذه (اللاأمكنة) التي أنتجتها (الحداثة المفرطة) وجعلتها من سمات هذا العصر.حيث فرضت على أشكال الوعي الفردي أن يختبر تجارب جديدة من العزلة ترتبط، مباشرة، بظهور (اللاأمكنة) وانتشارها. هذه (اللاأمكنة) هي نقيض السكن والإقامة  من يرتادها هو، فيها، وحيد ومشابه للآخرين، في الوقت نفسه. لا يمكنه إخفاء هويته، فيها، إلا بإظهار ما يثبتها (جواز سفر، بطاقة مصرفية، .......). هو، معها، في علاقة تعاقدٍ عابر ينتهي بخروجه منها. للإفراط، والتي يمكن قياساً إليها أن نحدد حالة الحادثة المفرطة، إنها صورة الأنا.
 
اللا أمكنة هي كل مكان
اللا أمكنة هي كل مكان لا هوية ثابتة له، لا تنسج فيه العلاقات ولا تستمر، لا ملامح تاريخية له، هو واحد من هذه الأمكنة التي أنتجتها الحداثة المفرطة وجعلتها من سمات هذا العصر. اللا أمكنة هي إذا، طرق الملاحة الجوية، والسكك الحديدي، والطرق السريعة، والمساكن المتنقلة التي تدعى وسائل النقل أي الطائرات والقطارات والحافلات، والمطارات، ومحطات القطارات، ومحطات ريادة الفضاء، والسلاسل الفندقية الكبرى، وحدائق التسلية، والمحال التجارية الكبيرة التي تشكل خيوطا معقدة، والشبكات السلكية واللاسلكية التي تعبئ الفضاء الخارجي لأهداف من التواصل الغريب، إلى درجة أنه لا يسمح للمرء في أغلب الأحيان، إلا بأن يتواصل مع صورة غريبة لذاته. اللا أمكنة هي الإنشاءات الضرورية لحركة التنقل المتسارعة للأفراد وللملكيات ( الطرق السريعة، التقاطعات، المطارات ) وكذلك وسائل النقل بحد ذاتها، والمجمعات التجارية الكبرى، أو حتى مخيمات العبور المترامية الأطراف . فلا يتاح لنا الوقت أن نشيخ قليلاً حتى يصبح ماضينا تاريخاً، ويصبح تاريخنا الفردي جزءاً من التاريخ. هي نوع أو نمط أو مرحلة من المجتمع تعكس انعكاس الحداثة حيث تكون وظيفة الكائن لها نقطة مرجعية لها في شكل كائن بدلاً من كونها نقطة مرجعية للنموذج. 
 
مجتمع يتفاقم فيه كل شيء
وفقا لـ مارك أوجيه يسبق الفرد الحداثة من خلال سمات مجتمع يتفاقم فيه كل شيء: في الميزان على المحك في عولمة الأسواق والتدفقات التجارية ، في ظواهر الظواهر المتصورة من خلال الوسائط المتداخلة التي تكسر حدود الحداثة المكانية للحداثة ، في الآليات الاجتماعية والاقتصادية دفعت إلى تضخم حتى من حيث الاستهلاك مع الاستهلاك المفرط ، والتنافس مع ظاهرة الاحتكارات العالمية والربح مع التمويل ، في البحث الفردي أو الجماعي للتمتع بالصحة أو الرفاه مع الإفراط في تناول الدواء ، عبادة الجسد مع الجراحة التجميلية ، في مظهر العنف الذي تمارسه فئات جديدة من الناس (الأصغر سنا على نحو متزايد) ، من البطالة الجماعية إلى الإرهاب إلى ظاهرة العصابات الحضرية من الذكور أو حتى الإناث ، في فقدان المراجع الاجتماعية والأخلاقية الجماعية والفردية حيث تفقد الهيئات الوسيطة (الكنائس والنقابات والأحزاب السياسية)
 شرعيتها.