مراحل تطور حمامة بيكاسو

الثلاثاء 12 تشرين ثاني 2019 150

مراحل تطور حمامة بيكاسو
إينا كول
 
ترجمة: جمال جمعة
كانت لدى بيكاسو قدرة فطرية على التطور التدريجي عبر الزمن والتاريخ، وإبداع أعمال هائلة تعكس السياق السياسي والاجتماعي الذي خلقت فيه، لكنها في الوقت نفسه تجاوزت الاعتراضات الأيدلوجية والجمالية للشرق والغرب.
خلال حياته الطويلة شهد بيكاسو الحربين العالميتين والحرب الأهلية الإسبانية والحرب الكورية، وكان لكل صراع حضور قوي في تطوير عمله. في عام 1937 رسم لوحة «جورنيكا» التي أشيد بها عالمياً، وهي واحدة من أشد صور الحرب الأهلية الإسبانية إيلاماً، والتي ما تزال تحتفظ بمكانتها الرفيعة بين أكثر اللوحات إثارة للجدل في القرن العشرين. ومع ذلك، من الجدير بالذكر الإشارة إلى أن بيكاسو لم يكن سياسياً قبل الحرب الأهلية الإسبانية. لقد ساهم الهجوم الجوي الألماني والإيطالي على قرية «جورنيكا» الباسكية في تغيير منظوره للحياة نتيجة لذلك القصف المروع الذي أدين على نطاق واسع.
أمضى بيكاسو معظم فترة الاحتلال في باريس، رافضاً عروض المنفى من قبل الولايات المتحدة وبلدان أخرى. خلال الحرب، لم يعتقل المحتلون النازيون في باريس بيكاسو (فقد كان معروفاً بأنه الفنان الأكثر أهمية في الأسلوب الذي وصمه هتلر باسم «الفن المنحط»). حاول النازيون إغواء  المثقفين الفرنسيين بالطعام والفحم، ومرة أخرى يُرفض هذا العرض من قبل بيكاسو الذي نبههم بشكل خاص إلى أن «الإسباني لا يبرد أبداً». بعد تحرير باريس في عام 1944، أضحى بيكاسو ( الذي كان من قبل ممارساً رائداً لفن شجبه الفاشيون) بطلاً للتحرير.
بدافع من الاعتبارات المثالية والإنسانية انضم بيكاسو إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، ظناً منه أن الشيوعية قدمت مساراً منفصلاً عن الفظائع الوحشية الفاشية التي ارتكبت في الحرب العالمية الثانية والحرب الأهلية الإسبانية. قراره هذا واجه جدلاً كبيراً، وولّد مناقشات مستمرة حول انتمائه وتأثيره المحتمل على عمله. بلا شك، أصبح بيكاسو بعد عام 1944 رمزاً لقضايا اليسار، وفي هذه الفترة بالذات تم الدفع بالمضمون السياسي لنشاطاته إلى الواجهة، مع الأعمال التي تشير إلى لحظات تاريخية حاسمة، وتؤرخ الصراع الإنساني والتدمير، وإن كانت تفصح عن رغبة كبيرة
في السلام.
في كانون الثاني من عام 1949، أبدع بيكاسو «الحمامة»، الصورة التي أصبحت رمزاً أيقونياً لتلك المرحلة، وكثيراً ما استخدمت في الحرب الدعائية لليسار و»حركة السلام»، والتي أضحت شعاراً للأمل خلال الحرب الباردة. الحمامة المعنية كانت في الواقع حمامة ميلانو (قدمت إلى بيكاسو كهدية من قبل معاصره الفنان هنري ماتيس) والتي أضحى التصوير الذي نتج عنها يعرف عالمياً باسم «حمامة السلام». كانت الصورة عبارة عن طباعة حجرية «ليثوغراف»، تم عملها في ستوديو الطبّاع فرناند مورلو في باريس، ونشرت بواسطة «غاليري لويس ليريس» بطبعة من خمس بروفات طباعية وخمسين نسخة موقعة ومرقمة، مطبوعة على ورق منسوج أبيض
اللون.
 أمسك بيكاسو غريزياً بجوهر هيأة الحمامة مبسطاً إياها إلى أقصى حد، مما خلق صورة قوية لحيوية جسدية عظيمة. رسمت صورة الحمامة الرائعة البيضاء على خلفية سوداء، طليت بحبر ليثوغرافي سائل. وفقاً لمورلو، فإن هذا العمل كان واحداً من أكثر الأعمال الليثوغرافية فطنة وجمالاً أنجزت بهذه الوسيلة التقنية في أي
وقت مضى.
في وقت لاحق من ذلك العام الشاعر لويس أراغون، وهو مؤيد راسخ للحزب الشيوعي الفرنسي، زار ستوديو بيكاسو لاختيار طبعة ليثوغرافية للحمامة. كان من المفترض أن تصبح تلك الصورة ظاهرة عالمية، فقد تم اختيارها كبوستر لمؤتمر السلام العالمي الأول في باريس مع تقديم بيكاسو لاحقاً تنويعات على الموضوع في مؤتمرات السلام التي أقيمت في وارشو، ستوكهولم، شيفلد، فيينا، روما، وموسكو.
 وزعت «حركة السلام» الصور موقعة من بيكاسو، والتي تضاعفت في كل مكان من العالم صانعة هالة من الشهرة حول الفنان ورمت به إلى آفاق جديدة من
الاعتراف.
ومع ذلك، بقيت الحمامة رمزاً شخصياً وسياسياً لبيكاسو، طفولة مستمرة تذكره بوالده الرسام، الذي كان يقوم برسم الحمائم في منزل العائلة في ملقا في ثمانينات القرن
التاسع عشر.
بعد الحرب العالمية الثانية أمضى بيكاسو فترات زمنية متزايدة في جنوب فرنسا، البقعة الأقرب إلى موطنه إسبانيا. في عام 1955 انتقل إلى «لا كاليفورني»، وهي فيلا رحبة حديثة على طراز الفن الجديد المعماري Art Nouveau»”، تطل على مدينة “كان” ومحاطة بأشجار النخيل والأُوكالبتوس. كان هنا المكان الذي بنى فيه بيكاسو برج الحمام لكي يتمكن من مراقبة النشاط اليومي لرفيقاته المريّشات عن كثب. في تلك السنة، رسم بيكاسو ستوديوه الجديد بنهم اثنتي عشر مرة، في بعض الأحيان مع حماماته المقيمة، وأحياناً أخرى بدونها. كموضوع، شكلّ الأستوديو حافزاً قوياً خصوصاً لماتيس، وقد أشير إلى أن تلك السلسلة التي حثّت بيكاسو كانت نتيجة لوفاة ماتيس في
 العام السابق.
توفي بيكاسو في أبريل عام 1973 ودفن عند مدخل “ Château de Vauvenargues”، عند سفح جبل “سانت فيكتوار”. على الرغم من فصل الربيع، فقد بدأ ثلج ثقيل بالتساقط دون مبرر، مغطياً المناظر الطبيعية بدثار أبيض ناعم، كما لو أن سيلاً من الريش الأبيض قد انهمر من السماء. كان قاد بيكاسو، بلا شك، حياة استثنائية متعددة الأوجه، وكان تطويره لرمز السلام مجرد وجه واحد من مجمل أعمال لا نظير
لها.
 بيكاسو كان محظوظاً بالقدرة على العمل حتى النهاية، أعاد ابتكار نفسه باستمرار على مدى تسعة عقود خلال مراحله الإبداعية الواضحة للعيان، وحياته الشخصية الموثّقة جيداً، والعديد من دور  الأستوديو، والرؤى المتقدة في الحياة. كل ذلك أسهم بصنع موقعه الراسخ باعتباره الرائد المرن لجيله.   
 
عن ART TIMES