زراعة الأناناس تشجع شباب غينيا على البقاء

الثلاثاء 12 تشرين ثاني 2019 153

زراعة الأناناس تشجع شباب غينيا على البقاء
ايرومو اغبيجول
ترجمة: بهاء سلمان
كان ديادي أبوبكر وسط البحر المتوسط خلال رحلة يأخذه القارب فيها مع مهاجرين آخرين نحو أوروبا، تقودهم عصابة قراصنة من نيجيريا وغينيا والسنغال، الذين باعوهم لاحقا الى تجار العبيد. كان الوقت أيلول 2017، بعد سنتين من مغادرة الشاب الغيني للبحث عن حياة أفضل داخل أوروبا انطلاقا من شمال أفريقيا.
"قررت العودة للوطن ان نجوت،" يتذكر أبوبكر. بالفعل نجا بفضل تفتيش مفاجئ داخل سجن ليبي أجراه مسؤولون من منظمة الهجرة الدولية بعد شهر من تلك الحادثة. هذه الأيام، يدير الشاب ذو الـ28 عاما مزرعته الخاصة لزراعة الأناناس خارج كينديا، رابع أكبر مدينة في غينيا.
أبوبكر هو من ضمن أعداد متزايدة من الغينيين الذين يمثلون جزءا من تجربة طموحة لتحويل أحد أفقر دول العالم الى منتج رئيسي لمحصول الأناناس بغية تخفيف حالة الهجرة الخطرة لأسباب اقتصادية. وبرغم كثرة خامات البوكسايت والحديد، يشير الناتج المحلي الاجمالي للفرد الواحد داخل هذه الدولة الصغيرة الواقعة غرب افريقيا الى 885 دولار سنويا فقط؛ كما أن أكثر من نصف السكان البالغ تعدادهم 12 مليونا هم بأعمار أقل من 25 سنة، ليعمل هذا المزيج من الشباب والفقر على تغذية الهجرة لفترة طويلة. سنة 2016، وبعد سنتين من مساهمة تفشي وباء ايبولا كحافز آخر على المغادرة، وصل أكثر من 13 ألف مهاجر غيني الى شواطئ ايطاليا، تفوّق عليهم الوافدون من نيجيريا واريتيريا فقط في تلك السنة.
 
دعم الشباب البسطاء
الآن، تحوّل غينيا نبات الأناناس المتواضع الى وسيلة لايقاف نزيف الدم الذي تزايد عن حده، إذ تعمل الحكومة الغينية، من خلال دائرة التنمية، على مشاركة الفلاحين البسطاء والداعمين الدوليين لتوفير فرصة اقتصادية للشباب بهدف ثنيهم عن مغادرة البلاد؛ وتستهدف هذه الجهود أيضا العائدين من أمثال أبوبكر.
ومنذ بدءها سنة 2017، أطلقت هذه المبادرة بالفعل ضمن أربعمئة حقل، وضاعفت المساحات المزروعة بالأناناس في غينيا، من 250 الى 550 هكتارا، وبإشراف من رابطة مزارعي الفواكه الغينيين. وارتفع انتاج الأناناس من عشرة آلاف طن الى 18 ألف، أي الضعف تقريبا؛ كما وجد أكثر من ألفي شاب عملا. وأسس بعض المزارعين ورش تدريبية لتهيئة الجيل القادم، وبامكان مزارع الأناناس النموذجي كسب ما يصل الى 2500 دولار على مدى دورة تمتد لـ 18 شهرا من نصف هكتار فقط.
طريقة معالجة غينيا للهجرة، والنابعة من الداخل، تساعد أوروبا أيضا، وبمقدورها أن تصير إنموذجا لدول أخرى، بحسب الخبراء. وتتلقى المبادرة أموالا استثمارية من الاتحاد الأوروبي، نحو ستة ملايين دولار، ومن وكالة "تمكين" البلجيكية للتنمية، ثلاثة ملايين دولار، ومن مصرف غينيا الاسلامي، 200 ألف دولار، لشراء معدات الري والأسمدة. ولاحت علامات النجاح في الأفق، فرغم تشديد ايطاليا اجراءاتها بحق المهاجرين، والتي أدت الى خفض اجمالي أعدادهم، حلت غينيا ثامنا حاليا بعدما كانت ثالثة سنة 2016؛ كما شهدت الشهور السبعة الأولى من هذا العام وصول 91 غينيا فقط الى سواحل ايطاليا، بحسب المفوضية العليا لشؤون اللاجئين.
 
ماض مجيد
الأمر لا يزال في بداياته، والصادرات لهذه اللحظة مقتصرة على دول غرب افريقيا الأخرى، مثل مالي والسنغال. بيد أن السلطات تسعى لإيصال جودة الأناناس المنتج لديها الى أعلى مرتبة، حيث تربة غينيا مؤهلة لذلك بشكل ممتاز، ويمكن زراعة هذه النوعية بجميع المواسم، لفترة تطول لـ 18 شهرا. وستتيح النوعية الأفضل جودة للمزارعين الغينيين بالمطالبة بأسعار مربحة، خصوصا حينما يشرع البلد بتصدير بضاعته صوب أوروبا.
هذا الأمر يعني أيضا عودة الأناناس الى غينيا، ففي ستينيات القرن الماضي، هيمنت البلاد على ربع الصادرات العالمية من هذا المنتج، لكن التوترات مع فرنسا، ومحاولات الانقلاب المتعددة والتوترات الإثنية والسياسات الإشتراكية أسهمت جميعها بتقويض اقتصاد الدولة. وبحلول الثمانينيات، ظهر نوع أناناس كثير العصارة في كوستاريكا، ليتبوأ صدارة الأناناس عالميا، وتبقى هذه الدولة الكاريبية الأولى لغاية الآن بانتاج الأناناس. ومع ذلك، تسعى غينيا لاستعادة مكانتها السابقة.
ويعد الأناناس مفضلا على المحاصيل الأخرى لكونه أقل تكلفة ويدر أرباحا أكبر من بقية المحاصيل التي تنتجها تربة غينيا، مثل اليام والموز، بحسب موسى كامارا، رئيس رابطة مزارعي الفواكه: "لهذا السبب يستطيع الشباب البسيط الإمكانية المادية زراعة الأناناس." وتعمل الرابطة على تدريب الشباب الغيني على كل شيء، من تطبيقات التسميد الى وسائل الري، وتساعدهم على تأمين قروض ودعم مالي من الوكالات المانحة، كما تجمع بين المزارعين والمرشدين الزراعيين. وحتى الآن، فإن المستفيد الأكبر هم المزارعون البسطاء، ولكن يتم حاليا دعم المنتجين الكبار أيضا.
 
توعية وتدريب
وتعمل هاجا مبالو على وعظ جيل الشباب الصاعد ضمن ندوات تعقدها داخل مزرعتها بقرية تبعد عن مدينة كينديا تسعة كيلومترات، وتشجعهم على البقاء لتطوير البلاد بدلا من المجازفة بحياتهم للوصول الى أوروبا: "شرعت بالندوات لتشجيع الشباب، وبضمنهم إبنتاي الصغيرتان. ابلغهم دائما بضرورة اهتمامهم بالعمل الجاري هنا في الحقول الزراعية لأننا ينبغي علينا تطوير بلدنا كي نكون مثل تلك الأماكن موضع الحسد في أوروبا."
وتدرّب هاجا طلابها على زراعة الأناناس، وتريهم أيضا مقاطع مرئية للرحلات المروّعة التي يواجهها الشباب الساعين للوصول الى أوروبا. ويقدم الطلاب، البالغة أعمارهم عادة من 18 الى 30 سنة، من خلفيات متنوّعة، من مراهقين عائدين من الهجرة الى طلاب دوليين. بالمجمل، درّبت هاجا 217 فردا في مدرستها، بدفعات متوالية بـ 35 طالبا للدفعة الواحدة، واستغرق كل برنامج من شهرين الى خمسة 
أشهر.
وتبقى هناك تحديات رئيسة، فالعديد من الطرق مليئة بالحفر والمطبات، ويطالب رجال الشرطة دائما بالرشا من المزارعين والتجار الناقلين للأناناس؛ والطاقة الكهربائية غير متوفرة لثلثي السكان. وبرغم دعم الحكومة للبذور، فالاجراءات البيروقراطية تصّعب الحصول عليها بسهولة؛ كما إن إجتذاب الاستثمارات الأجنبية، وليس فقط المعونات المجانية، تبقى صعبة، مع حلول غينيا بالمرتبة 152 من أصل 190 دولة ضمن مؤشر سهولة ممارسة الأعمال الصادر عن مجموعة البنك الدولي لسنة 2018، مع ملاحظة أن المرتبة السابقة لغينيا كانت 169.
غير أن الأمل الذي يبعثة الأناناس لا يزال براقا للعديد من الغينيين أمثال أبوبكر، الذي يوشك على جني محصوله الأول قريبا: "أنا سعيد جدا لكوني في الوطن ولدي عمل." كما تثق مبالو بمساعدة هذه الفاكهة المليئة بالأشواك على مساعدة غينيا إيقاف مد الهجرة غير الشرعية: "سابقا، الناس لم يكونوا على ثقة، لكنهم حاليا يعلمون بامكانية بقائهم وزراعة الأناناس هنا، فاذا نيتهم كانت المغادرة لأجل المال الذي يمكنهم كسبه هنا، فلماذا الرحيل؟"