في القصة المصريّة المعاصرة

الثلاثاء 12 تشرين ثاني 2019 101

في القصة المصريّة المعاصرة
جيمس هولدن
ترجمة / عادل العامل
يتضمن (كتاب القاهرة: مدينة في القصة القصيرة)، وهو الأخير في سلسلة تشمل مدناً عالميّة مختلفة، عشر قصص قصيرة لكتّاب من القاهرة تتناول الحياة الحديثة والناس الذين يعيشون فيها حالياً. وتغطي القصص، التي قام بتحريرها رالف كورماك، 85 صفحة، لكن هذا الحجم الصغير لا يدلّ على نوعيتها: فهي قصص ذات مستوىً رفيع، بعضها يرتقي إلى الفنتازيا وأخرى مستمدة من الواقع؛ قصص تتحرى ما هو شخصي من حياة الناس وأخرى تعالج الآثار السياسية لما عُرف بالربيع العربي.
ويذكر كورماك في مقدمته أن الكتاب "يحكي قصة مدينة تكافح لتنسى نفسها". فيلاحظ بطل إحدى القصص: أن الرمل قد أصبح ذكرى بعيدة بالنسبة لنا والربيع فقط الذي يخطر في أذهاننا حين يحدث أن نراه من سياراتنا، المندفعة عبر الأقاصي وهي تخرج وتدخل المدينة.    
ويستكشف محمد خير الذاكرة الجمعية في قصته "حديث"، التي تتغذى أيضاً من المخاوف المعاصرة المتعلقة بسلطة الانترنت، حين يكون طبيب جرّاح موضوعاً لشائعات زائفة حول كفاءته الخاصة. 
كما تتناول قصة أريج جمال، "دليل بديل للضياع"، الذاكرة أيضاً ودورها في منعنا من المضيّ مع حيواتنا.
وربما كان حسن عبد الموجود هو الكاتب الأكثر تعمقاً في فهم الذاكرة ــ من ناحية ما نتذكّر وما يتذكّر الآخرون بشأننا. فنجد قصته "في الفراغ" تبدأ بجدل روتيني على نحوٍ ودي حول مجاميع القمامة، لكنّها تتغيّر ببطءٍ إلى شيءٍ ما أشدّ بكثير، يتحرّى جوهر ما يُنتمى له المرء أو يوجد حتى. حيث يقول بطل القصة معلّقاً: إنّنا نفضّل على الدوام أن نختزل الناس إلى سمة واحدة، سمة تلقي بظلها على مميزاتهم الأخرى. فنقول إنّ فلاناً طيّب أو شرير، ذكي أو غبي، مشرق أو بغيض. وقد اعتدتُ على التفكير بأنّ الآخرين هم الغريبو الأحوال. 
فقط قصة واحدة تتناول بصراحة مسألة ما يحاول أن ينساه القاهريون على وجه الدقة. فنجد قصة "حمادة الجنّ" لنائل الطوخي تدور حول فساد الشرطة وقسوتهم. حيث يصبح النقيب هيثم حمدي وقد كُلِّف بإيجاد "الحقيقة بالكامل وبكل امتدادتها": [ .. متخماً ــ متعباً من الأمر كله ... فالحقيقة مضجرةٌ على الدوام، والبحث عنها أضجر. لكن، لا، ضابط الشرطة لا يمكن أن يكون ضجِراً! فالشرطي كائن من رغبة ثابتة، إنه يوبّخ نفسه وهو يصعد سلّم البناية.]
وتبرز هذه القصة بكونها أكثر القصص سياسيةً بشكل واضح هنا، يدعمها إدراك شديد للعالم والدعابة السوداء التي تساعدها لتكون القطعة الأقوى من الكتابة في هذه المجموعة.
  وبالرغم من العنوان الفرعي للكتاب، "مدينة في القصة القصيرة"، فهذه ليست على الدوام مجموعة عن "حالة الأمة" مقدمة بمستوى مدينة. وتقول مقدمة الكتاب أن القصص "توفر صوراً مثيرة عن الحياة عبر القاهرة ــ في بيوتها، وفي دوائرها، وعلى شوارعها." فنجد قصة محمد صلاح العزِب،  ""Gridlock، تستكشف زحامات المرور السيئة الصيت في المدينة من خلال تقنية المرور من راوٍ تورّط في الزحام إلى آخر، وهي توفّر بمهارة صوراً قلميّة لحيوات الناس وتبني ببطءٍ لذروةٍ منذرة بالسوء. بينما تدور قصة هند جعفر، "الروح في راحة"، حول شخصٍ ما يقوم بتنسيق إعلانات نعي في صحيفة. وهي تتسم بطول التركيب مدعوماً بإنشاءٍ بخفة الريش يجعل من قراءة القصة متعة.
وتدور "عواء"، وهي قصة مصنوعة بشكل متألق، حول مدير رُقِّي حديثاً وهو يحاول أن يتكيّف مع وضعه الجديد، وقد لاحظ أن الموظفين يختلسون نظرات استخفاف إليه ــ فمنذ ترقيته أصبح من غير الاعتيادي أن يُشاهد متسكّعاً في ممر الدائرة. وراح يبذل جهده لجعل تسكعه هذا يبدو طبيعياً ويسعى كثيراً من أجل أن لا يلاحظ أحدٌ أنه يقوم بالتجسس عليهم.
أما "الشرفة الأخرى" لنهلة كرم، فهي قصة حبٍ مكتوبة على نحوٍ جميل تجري بين شرفتين، وهي تصف بصورة مدهشة الإثارة، والضغط النفسي، والحسرة التي يمكن أن تولّدها شؤون الحب في فترة المراهقة.
 
عن / Tss