الاعلام المُسيّس

الثلاثاء 12 تشرين ثاني 2019 140

الاعلام المُسيّس
عالية طالب
هل تذكرون ماذا قال (غوبلز) وزير دعاية حكومة هتلر، هذا الرجل الذي أرى بين بعض من أتابعهم سياسيا واعلاميا أنّهم يتقمّصون دور ذلك النازي ببراعة ويحاولون عكس المقولة فيصبحوا هم المثقفين ونصبح نحن المتهمين الذين لا بدّ التعامل معهم بفوّهة مسدس.
سياسيون واعلاميون يبرعون في رسم مسارات تنطبق عليها نظرية غوبلز في السيطرة على العقول وفق نظرية التأطير وملخصها أن يلجأ من يروي حدثا ما الى التركيز على جانب منه واهمال الجوانب الاخرى انسجاما مع رغبة الراوي في توجيه الاهتمام الى ما يهمه هو، ومن هنا تغلق امام المتلقي الخيارات الاخرى بالبحث عن جوانب تفصيلية للحدث موضوع النقاش!! حينها تحقق الحكاية هدفها في تمرير السياسات التي تقصدها دون معوقات.
المثقف الذي يطرح الاسئلة او يتبنى خبرا يتضمن معلومة عليه ان لا يدخل المتلقي ضمن نظرية التأطير ولا يسهم في توجيه الانظار الى زوايا ميتة ويترك المساحة المتسعة ليلعب بها السياسي والاعلامي وفقا لمرجعياته الخاصة او مصادر تمويله الذي يوجه المسار وفق مصالح تبتعد تماما عن مصالح الانتماء الحقيقي للوطن.
أكذب واكذب، أكذب، حتى يصدقك الناس.. هذا ما قاله غوبلز واكمل "كلما كبرت الكذبة كان تصديقها اسهل" وها نحن في ساحة من الاكاذيب التي يسهم في بعضها "المثقف" منقادا لساحة الاعلام المسيّس والسياسي الباحث عن مصلحة تحقق له تأطير الافكار لتبتعد عن منطقة مصالحه الواسعة وتضيق مسافاتها بنقاط  تنأى عنه تماما.
خلق الاعلام باستخدام التكنولوجيا القادرة على التلفيق والقص واللصق وحذف وترويج ما يبتغيه، عقولا يمكن تشكيلها وفقا لاهواء اللاعب الذي استخدمه السياسي ببراعة من يعرف ضعف مكان المثقف في التصدي لتعرية الواجهات البراقة بالوانها والمعتمة بدواخلها التي يكمن فيها الشيطان متمددا. 
وهنا نعود لغوبلز الذي قال "أعطني إعلاما بلا ضمير أعطيك شعباً بلا وعي".
تظاهرات العراق اليوم تختلف ما بين فضائية واخرى وما بين كتلة سياسية واخرى وفي كل هذا نرى مقعدا ثقافيا شاغرا بانتظار من سيدخل اليه ليملأ فراغ كذب الصوت وخداع الصورة وامتزاج الالوان وصراخ 
السياسي.
الشعب الذي انتظر من المثقف ان يكون قائدا انتزع ذلك المكان ووقف باتجاه بوصلة الوطن مشيرا الى ضرورة الاصلاح بعيدا عن تسميات التحزّب وقراءة تاريخ الشعوب وبراعة التحليل الذي  يسهم احيانا في استدراج الازمة للسقوط في ازمات اكبر.
ويمكننا القول ان قطع تكنولوجيا الاتصالات أسهم في انتشار تزوير الحدث الحقيقي وكبر مساحة التشويه المقصود للنوايا السليمة فتداخلت استنتاجات الاعلام مع اجندات المال السياسي واغرقت المتلقي في صورة قاتمة لا يعرف كيف يخرج نفسه منها  دون دفع ضرائب ليس له ذنب فيها. وهو ما جعله متلقيا يؤمن بالشك منهجا وضاعت الحقائق امامه بتداخل سريالي عجيب سيقوده الى النزول لمنطقة الواقع التي قد يمزجها السياسي بإعلام مزيف ويقف بينهما مثقف اضاع خطوات لا بدّ عليه ان يسلكها.