تغيير الهيكل

الثلاثاء 12 تشرين ثاني 2019 201

تغيير الهيكل
نصير فليح
 
من الواضح أنّ الوعي العام بجوهر المشاكل التي يواجهها الانسان العراقي ازداد وضوحاً يوما بعد يوم على مستوى الشارع والانسان العادي، لا القلة والخاصة فقط. فكون التركيبة السياسية العقيمة والمعطّلة تعيد انتاج نفسها – مع بعض الفروقات الثانوية – لا يعني سوى أنّ هناك خللا في البنية، في المنظومة نفسها، وبعبارة اخرى، في الدستور والنظام الانتخابي 
نفسه. 
لانستطيع لوم من شاركوا في وضع الدستور قبل 14 عاما، فقد كان الوضع مختلفا كثيرا يومها، والكثير من الحقائق المؤلمة التي افرزها هذا الدستور اتضحت بمجرى التجربة والممارسة. 
ان نظاما برلمانيا يمكن ان يكون مثمرا في بعض البلدان التي فيها من الانسجام الاجتماعي-السياسي درجة أعلى، وفيها من مراكز القوى المتعددة عدد اقل. ولكن في البلدان التي تتضمن انقسامات عميقة، سياسية واجتماعية وتاريخية، مثل بلدنا، وفيها من مراكز القوى ما هو اكثر بكثير، ومن الشفافية ما هو اقل بكثير، فإنّ النظام البرلماني يتحول بسهولة الى محاصصة، ويفرز طبقة سياسية تعتاش على امتيازاتها التي تعيد انتاج نفسها بانفصال عما يجري عن القاعدة
 العريضة. 
وهذا ما يبدو أنّه بات يتضح بمرور الزمن بوعي اكبر، اي الحاجة الى تغيير الدستور والنظام الانتخابي نفسه، وصارت المطالبات تزداد للتحول الى نظام رئاسي يتم فيه انتخاب رئيس للبلاد او رئيس للحكومة بصلاحيات كاملة او صلاحيات واسعة، على أمل ان تركيز صلاحية القرار في نقطة واحدة يزيد الفعالية ويحدد المسؤولية. 
ولكن اذا ما اراد رئيس جديد منتخب اجراء اصلاحات تضر هذه الجهة او تلك من الجهات ذات النفوذ والقوة، وقررت مقاومة اجراءاته، فكيف سيكون الحال عندئذ؟ هذا ما يتوجّب حسبانه ايضا في دستور جديد يتعامل مع مشاكل رئيسيّة متوقعة من هذا 
النوع. 
وهو ما ينطبق على ظاهرة اخرى بحاجة الى تغيير هيكلي وايضا من خلال تعديل الدستور نفسه، وهي تضخم جهاز الحكومة والدولة. ويبدو ان الوعي بهذه النقطة ازداد ايضا مقارنة بالاعوام السابقة، واصبحت الحاجة الى إلغاء مجالس المحافظات والاقضية والنواحي وتقليل امتيازات البرلمانيين والدرجات العليا والخاصة في جهاز الدولة – ولو أمكن تقليص عدد نواب البرلمان نفسه – امرا واضحا، ولن يكون هذا نافعا في تقليل الهدر والفساد فقط، بل سيجعل المراقبة وتحديد المسؤولية اكثر وضوحا وفعالية. ونعرف جميعا ان احدى الظواهر المؤلمة والمؤسفة التي ظلت تتكرر على امتداد الاعوام الماضية، هي القاء المسؤوليات بين هذه الجهات بعضها على بعض (الحكومة، البرلمان، مجالس المحافظات، الوزارات...الخ) في دائرة عقيمة لا طائل من 
ورائها. 
في انتخابات تونس الأخيرة دليل واضح لنا، رغم الاختلافات في اوضاع البلدين. فبحكم النظام الانتخابي الرئاسي هناك، تمكن الناس من اختيار شخصية من خارج القوى والاحزاب السياسية التقليدية، وهذه الامكانية يجب ان تكون متاحة للناخب العراقي سواء في انتخاب رئاسة حكومته مباشرة، او في انتخاب المحافظين في المحافظات مباشرة ايضا، مما يقلل الحلقات الزائدة، ويحدد المسؤوليات بوضوح وفعالية اكبر.