نصف الكأس!

الثلاثاء 12 تشرين ثاني 2019 100

نصف الكأس!
حسن العاني 
 
في عام 1964 وبعد رحلة امتدت على مدى سنتين بالتمام والكمال وانا ابحث عن وظيفة تليق بطالب يحمل شهادة الاعدادية، يوم كانت هذه الشهادة لاتزال تحافظ الى حد مقبول على وزنها الاعتيادي في المجتمع، بحيث كان خريج الاعدادية قادراً على اصطحاب اهله لخطبة الفتاة التي يريدها وهو مرفوع الرأس، مثلما كان هذا الخريج  يخاطب بمفردة (ستاد) مشفوعة بالاحترام الكبير في عموم النواحي والقرى والارياف العراقية.
كان الوضع على هذا النحو، وبصورة راسخة طوال العقد الثلاثيني من القرن الماضي وعقد الاربعينيات ثم الخمسينيات والى اواخر العقد الستيني على وجه التقريب، قبل ان تطرأ في العقود اللاحقة تغيرات بسيطة، لم تلبث ان تصاعدت صورها شيئاً فشيئاً الى ان اصبحت تغيرات نوعية هائلة- كانت مؤذية جداً مع الاسف- لعل بعض معالمها تتمثل باضافة درجات على (المعدل) تحت هذا السبب او ذاك من الاسباب التي لا علاقة لها بالعلم والاستحقاق الامتحاني، حتى اصبح هناك من يحصل على معدل يتخطى (المئة بالمئة) فينال ما يشتهي من الجامعات والكليات والاقسام والامتيازات على حساب زميل له نال 97 % او 98 %  او99 % بتعبه وعرق جبينه، او تتمثل بعمليات لا تقل بشاعة كسرقة الاسئلة وبيعها، او تزوير الشهادات الدراسية التي اصبحت اشهر من نار على علم، وطالت الآلاف من موظفي  الدولة بشتى المستويات، ثم وصل الامر في مراحل معينة الى حد وجود افراد متخصصين بكتابة الرسائل الجامعية للطلبة، كانوا موجودين في شارع المتنبي او يتم الاتصال بهم عبر وسطاء في الشارع، ناهيك عن رسائل جامعية يتم انجازها عبر السطو على رسائل الغير سواء عبر الانترنيت او عبر مرور زمن طويل على رسائل قديمة غير مطبوعة، وبالتأكيد فهناك عمليات سطو يمكن كشفها، ولكن غيرها يمكن ان تعبر بجواز سفر مزور.
ومن طريف ما يحضرني هنا، ان موظفاً كبيراً في الدولة العراقية نال هذه الدرجة بحكم موقعه الحزبي الرفيع، وقد تقدم الرجل في عام 1981 لأداء الامتحان الخارجي بهدف الحصول على الشهادة الاعدادية، ولكنه لم يفلح حتى في العام التالي 1982، وفي عام 1983 أدى الامتحان في أحد الاقضية البعيدة عن منطقة سكنه معتمداً على علاقاته الخاصة ونفوذه السياسي واستطاع النجاح والحصول على معدلٍ عالٍ لافتٍ للنظر.. وهكذا فعل الزمن  فعلته، وفقدت الشهادة طعمها ونكهتها، وقبل ذلك مكانتها الاجتماعية والعلمية والاخلاقية.
في ذلك العام 1964، قامت الدولة بافتتاح (دورة تربوية) أمدها سنة واحدة، وتتولى تأهيل خريجي الاعداديات للحصول على وظيفة (معلم)، وقد تلقينا قرابة 50 مادة كلها تحت عنوان (أصول تدريس) هذا غير مواد في الادارة وعلمي النفس والاجتماع وهو أمر غريب، فكـأنهم يؤهلوننا للإشراف على اطاريح الدكتوراه!! على يدي أحد الاساتذة الأفاضل، اسمه (محروس) على ما أظن، درست (أصول تدريس الرسم) وتعلمت لأول مرة معنى (فوق مستوى النظر وتحت مستوى النظر)، والغريب انني استذكرت هذه النظرية بعد شيوع مصطلح  (النصف الفارغ من الكأس  والنصف الممتلئ) ، ولكن الاغرب ان الانظمة العراقية منذ أول حكومة في تاريخها، تتحدث فقط، وفقط عن النصف (التحتاني) المملوء، ولكنها لم ترفع عينيها ولو مرة واحدة الى النصف (العلوي) الفارغ (وكأنها تستحي).. ثم تسأل نفسها : كيف تعيش الناس في هذا الفراغ من دون ماء؟!