تومان.. أنفٌ يُطلق الأحلام

الثلاثاء 12 تشرين ثاني 2019 98

 تومان.. أنفٌ يُطلق الأحلام
علي حمود الحسن
لا أحد يشبه تومان العبد، ولا أحد يُضاهي حريته، الأسمر الجميل، مروّج عروض سينما الحمراء في البصرة، البهلوان الراقص الذي يعزف الناي بأنفه، صانع المرح والمتعة بلا ثمن، فليس سوى اكله وشربه وسيجارة، سريع البديهية المولود عبداً لأسرة ارستقراطية امتلكته كما أبناء جلدته، فنال حريته فنا ومحبة لأهالي البصرة الذين أحبوه وشغفوا بعزفه على الناي وبحركاته الأكروباتيكية ونكاته اللاذعة ومقالبه الطريفة، فكم من مرة رمى بنفسه في شط العرب وغاص عميقا حتى يظن من يتابعه انه غرق وشبع موت، لكنّه سرعان ما يخرج من الضفة الأخرى، وهو يلوّح لهم بحركات تثير ضحكهم واعجابهم، ففتحت البصرة ذراعيها لهذا الأسمر الطريف ومنحته صفة مواطن استثنائي، فهو يدخل المطاعم بلا حساب، ويركب السيارة بلا أجور، ولا يتردد في طلب أي شيء يحتاجه، وهو قليل، فليس غير سيجارة “مفرد”، و”حسوة” عرق مغشوش، وقد نقل الكاتب رزاق عبود حادثة طريفة كان شاهدا عليها، مفادها: انه استقل يوما باصا في طريقه الى العشار وكان معه تومان، وكعادته لم يدفع تومان أجرته، ما جعل السائق يطالبه بالنقود، فأجابه: أيعقل ان لا تعرفني؟، فأجابه: ومن تكون؟، قال: أنا تومان، فانبرى أربعة من الركاب ليدفعوا أجرته، وتبيّن أنّ السائق ليس بصريّا، هذه المكانة لم تأتِ من فراغ، بل جاءت من روح حية تمتع بها هذا الفنان متعدد المواهب، فهو يمثل ويغني ويرقص ويبتكر مواقف كوميديّة، فضلا عن مهنته التي جعلته مشهورا ومحبوبا، اذ كان يروّج بصحبة عباس عبونة لأفلام من خلال لوح يلصق عليه بوستر الفيلم  ويرفعه صبيان، فيما يتكفّل تومان وعبونة في التعريف بقصته ومشاهده المثيرة من خلال الحركات الاستعراضيّة والغناء.  
عرف العراقيون مهنة الترويج للأفلام في النصف الثاني من القرن العشرين. وكان لكل محافظة مروّجوها، اذ لم تتوفر وسائل للدعاية والجذب، أشهرهم: عباس حلاوي وساسون حسقيل في بغداد وكانا يقفان امام سينما سنترال، وفي العمارة عريف جلوب، واشتهر حمزة السليت في الديوانية، وفي الناصرية شنيشل وكوزان، وغيرهم.
شكّل تومان ظاهرة فريدة، لا يمكن فهمها إلّا ضمن سياق طابعها المديني، فالمدن العريقة لا تخلو من أيقوناتها؛ فثمة المجانين، والأفاقون، والشطّار والعيّارون، والمهرّجون، فبقدر الاحزان والشدائد التي تعرفها المدن، هناك دائما صانعو الفرح مانحو المتعة، ومن هؤلاء وأولئك تنبثق ذاكرة “لا تمحى” مثلما يقول ايتالو كالفينو في مدنه الخيالية.
مسيرة حافلة، لكنّها ليست ورديّة على أية حال، فثمة بُعد تراجيدي رافق حياة تومان السريّة والمعلنة، ابتداءً من النظرة الدونيّة لهذا المكوّن (السود) المثقل بقيود العبوديّة في مجتمع عشائري ذكوري مغلق، ومرورا بفقره المدقع، وانتهاءً بانشطار ذاته وميوله الجنسيّة، ومثل كل المهرّجين العظام عصفت به الأيام وضاقت به البصرة على اتساعها، فغادرها الى الناصرية سعيا للرزق، لكنه ابتعد عن العمل مروّجا في سينماتها، خجلا من زميل مهنته شنشيل الذي عمل في البصرة مروّجا للأفلام وأصاب شهرة هناك، لكن تومان أخبره “ان البصرة لا تحتمل شريكا للتومان” فعاد الرجل خائبا الى مدينته الناصرية، لكن شنيشل استقبله بمحبة ووفّر له عملا، مات تومان منسيّاً، لكنّ اسمه تحرر من أسر الواقع وتحول الى دالّة قيامة مدن 
الحلم.