أزمة الثقة بين المحتجّين والطبقة السياسيَّة المتنفذة.. لماذا؟

السبت 16 تشرين ثاني 2019 133

أزمة الثقة بين المحتجّين والطبقة السياسيَّة المتنفذة.. لماذا؟
عبد الحليم الرهيمي
 
يتواتر الحديث عن إمكانية إيجاد الحلول، غير الأمنيّة، التي يمكن أن تؤدي الى إخراج البلاد من مأزق الوضع الراهن بتحقيق مطالب وحقوق المحتجّين الذين انطلقوا بحركتهم الاحتجاجيّة منذ الاول من اكتوبر – تشرين الاول المنصرم .. وما زالت متواصلة حتى الان في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب وتحظى بدعم وتأييد أبناء بقية محافظات العراق بمختلف التعبيرات.
وتتساءل الأوساط الحكوميّة، بل وكل القوى الممسكة بزمام السلطة، حسب تعبير مرجعيّة السيد السيستاني، لماذا لا تستجيب حركة الاحتجاجات الشعبية الغاضبة لدعوات الحوار بينها وبين قوى السلطة، رغم (حزم الاصلاحات) التي اعلنتها الحكومة كتعبير عن استجابتها لبعض اهداف ومطالب المحتجين؟ .. ولماذا لا تستجيب هذه الحركة كذلك لـ (حزم) الاقتراحات والوعود التي تطرحها الرئاسات الثلاث بشكل منفرد أو في اعقاب اجتماعاتها والتي تؤكد خلالها عن تقديرها واحترامها لحركة الاحتجاجات ومطاليبها المحقة والمشروعة وتقترح العديد من الحلول والمقترحات التي تعد بالاستجابة لمطاليب المحتجّين؟ ثم لماذا لم يستجب المحتجون لدعوة الحوار بين ممثلين عن حركة الاحتجاجات والحكومة التي أطلقتها ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة السيدة جنستين بلاسخارت عقب زيارتها لساحة التحرير وركوبها عجلة (التك تك) كتعبير عن تضامنها مع المحتجين .. ؟
إنّ الاجابة عن هذه الاسئلة وغيرها على عدم استجابة المحتجين لتلك الاجراءات والدعوات إنّما يعود لضعف او انعدام الثقة بينهم وبين الطبقة السياسية المتنفذة لاسيما الممسكة بزمام السلطة، اي الحكومة الحالية. لذلك، واذا ما تم الاقرار بهذا الواقع فينبغي، والحالة هذه، ان يبحث الجميع بجدية حازمة وبروح المسؤولية الوطنية العالية، لماذا وصلت حركة الاحتجاجات بل وحتى غالبية الرأي العام العراقي الى هذه القناعة والتصرّف على ضوئها؟ ثمّ ما هي السبل الواقعية لتبديد عدم الثقة هذه او تقليص تأثيرها بما يفتح الطريق لايجاد الحلول الناجعة لمأزق الوضع الراهن وتداعياته المحتملة؟.
ويمكن القول، إنّه وباستثناء قوى وتيارات الطبقة السياسية الممسكة بزمام السلطة، يكاد يجمع الرأي العام وفي مقدمته حركة الاحتجاجات، على أنّ أزمة انعدام الثقة هذه تتجلّى وتتجسّد بوضوح في عدم تصديق المحتجين لنداءات واجراءات السلطة والحكومة الحالية تحديداً.
ففضلاً عن تجربة حركات الاحتجاج والتظاهرات إبّان الحكومات السابقة، التي أظهرت ضعف مصداقيتها في اطلاق الوعود لتحقيق مطالب المتظاهرين والمحتجين اضافت الحكومة الحالية وقبل انطلاق حركة الاول من اكتوبر عمليات قمع وعدم استجابة لطلبات المشاركين في الاعتصامات لأسباب مطلبية، سواء ضد سكنة العشوائيات او باعة (الجنابر) على الارصفة او اعتصامات العاطلين عن العمل من خريجي الجامعات وغيرهم. 
كذلك فإنّ عدم قناعة المحتجين بإمكانية تحقيق معظم (الحزم الاصلاحية العاجلة والشاملة) لافتقارها للغطاء الدستوري والقانوني، بل وحتى المالي الذي تتطلبه (حزم الدرجات الوظيفية) التي لا تسمح به المنظمات المالية الدولية والوضع المالي للعراق. وعدا ذلك فإنّ ما يعزز عدم الثقة بمواقف الطبقة الممسكة بالسلطة والحكومة هو سلوكياتها ومواقفها المتناقضة تجاه حركة الاحتجاجات لاسيما قولها باحترام ودعم ومساندة هذه الحركة من جهة، بينما من جهة ثانية، تستخدم الاجهزة الامنية و (قوة مجهولة – معلومة) القسوة والعنف المفرط ضدها والذي اكدتها تقارير منظمات حقوق الانسان البرلمانية والحكومية والدولية، مثل (منظمة العفو الدولية) و (منظمة حقوق الانسان) وكذلك الأمين العام للامم المتحدة نفسه، فضلاً عن دول صديقة للعراق مثل بريطانيا ودول أوروبية أخرى والولايات المتحدة الاميركية
 واليابان.
وازاء ذلك، ولتبديد، او الحد من، حالة انعدام الثقة بين المحتجين والطبقة الممسكة بالسلطة تؤيّد بعض القوى السياسية ومنظمات نقابية دعوة ومطالبة حركة الاحتجاج باستقالة رئيس الحكومة الحالية وتشكيل حكومة جديدة تحظى اجراءاتها (وحزمها الاصلاحية) المقترحة والتي يمكن الاتفاق على حصرها بما هو اساسي وجوهري، ريثما يمهّد الطريق لحوار وطني بنّاء يؤدي للاتفاق على اجراء انتخابات مبكرة باشراف أممي تفرز طبقة سياسية تمثل حقاً ارادة العراقيين وتعبر عن طموحاتهم في تحقيق مطاليبهم واستعادة
 حقوقهم.