أريد وطناً!

السبت 16 تشرين ثاني 2019 113

أريد وطناً!
 جواد علي كسّار
عند الأزمات تكثر المراجعات، وهي إجمالاً علامة صحة وعافية، خاصة إذا استطاعت التحرّر من آفتي الإيغال في نقد الذات حدّ الاستخفاف بها وسحقها؛ وآفة التسطيح والتبسيط بهدف عبور الأزمة شكلياً، والإبقاء على أسبابها الحقيقية متقدة تحت الأرض.
لنأخذ شعار: «أريد وطناً» أو «نريد وطناً» الذي عمّ الاحتجاجات الحالية، وتحوّل إلى أحد ثوابتها، فبمقدوري اغتيال هذا الشعار وتفريغه من محتواه، عبر أسلوبين؛ الأول تسطيحه والاستخفاف به، واتهام كلّ من يرفعه بأنه لا يفقه ما يُريد، ونعت الغالبية بأنها لُقّنت الشعار تلقيناً؛ في حين يبرز الأسلوب الآخر لمصادرته، عبر إغراقه بالمركبات النظرية، ليفقد في الحالين معناه، والأخطر من ذلك يبتعد عن المغزى من وراء تبنّيه من قبل المحتجين.
عند نقطة «أريد وطناً» سأسمح لنفسي أن أستعير لفتات من مجموعة نخبوية، مركزاً على الأفكار والمواقف من دون ذكر الأسماء. كتب أحدهم: لقد أسهبَ كثير من الأخوة في شرح أسباب ما حدث، لكن أذكر لكم نقطة سمعتها من أحد أبنائنا، ذكر فيها أن كما الأشخاص يحتاجون هوية ويقلقهم عدم الانتماء، كذلك الشعوب يجعلها إحساسها بالهوية مترابطة... في زمن الإحساس بالهوية كان هناك رأي للعراق في مقابل أميركا، وفي مقابل إيران وفي مقابل العرب، حتى مع كلّ ما نعرف من مشكلات بلدنا وأزمات السياسة الخارجية. لكن الجمهور نزل إلى الشارع مُعبّأ بشعار «أريد وطناً» عندما أحسّ باستباحة الكرامة، وغياب الهوية، بمصادرة تلك المساحة من الاستقلال والانتماء، والارتهان شبه الكامل للتبعيات.
هذه وجهة نظر شبابية سقتها مع شيء من التعديل، في الصياغة والأسلوب دون مسّ الفكرة نفسها، علّق عليها عقل نابه، مغموس بالوطنية وهمّ البلد، بقوله:«هذه النقطة هي الأقرب للحقيقة، واختزال الكثير من الأسباب» مضيفاً: «العجب ان الشباب العراقي الذي تتراوح أعمارهم بين (18 - 30) سنة، وبالرغم من أنه لم يواكب التغيير، إنما عاش الاحتلال والعملية السياسية والمحاصصة والفساد وحرب داعش؛ وعلى الرغم من خلو العراق من الأحزاب الوطنية، فإن الشباب التصقوا بالوطن أكثر من أيّ شريحة أخرى، وشعار «نريد وطناً» دقيق جداً، ولا يقصد به الشباب إلا ما أشار إليه هذا الابن، من الإحساس بالهوية المفقودة».
هذه الحالة الإدراكية الشعورية المعنوية، وإن كانت تُعبّر عبر مختلف مراحل ما بعد التغيير، عن بقايا هوية لوطن، إلا أن مجرد إحساس الناس ولاسيّما الشباب، انهم فقدوا بقية الهوية هذه تحت وابل التبعيات، فقد حصل الانفجار، وزاد من مخاوف الناس وهلع الشباب،  تمادي البعض بطمس تلك الهوية بشكل علني، ومصادرتها تحت غطاء الأمميات، والشعارات المحورية، واستفزاز الوطنية العراقية أو بقاياها، برموز الآخرين وأفكارهم وشعاراتهم وتدخلاتهم الجاهرة.
لن يهدأ الشارع إلا باسترجاع الهوية، أسوة ببلدان العالم أجمع، بما فيهم مصدّرو الأطاريح الأممية، رغم أن شعوبهم تعيش رغد الوطنية الباذخة!