جاك شيراك.. آخر الديغوليين

الأحد 17 تشرين ثاني 2019 86

جاك شيراك.. آخر الديغوليين
أمير طاهري
ترجمة: مي اسماعيل 
{انتبهوا الى هذا الشاب!}.. هكذا أشار رئيس الوزراء الايراني "أمير عباس هويدا" سنة 1969 الى جاك شيراك؛ الذي كان حينها مساعدا للرئيس الفرنسي المنتخب حديثا "جورج بومبيدو". لم يعتقد أغلب المراقبين الباريسيين حينها أن شيراك (كان في الثلاثينيات من عمره) سيصل سريعا أعلى درجات سلم السلطة في فرنسا؛ مع ان الدولة قد هزها تمرد أيار سنة 1968 وأزمة اقتصادية تلوح في الأفق. لكن شيراك (الذي صار وزيرا للزراعة والداخلية) أصبح تحت الأضواء بعد أربع سنوات فقط.. إن لم يكن ملكا؛ فصانع ملوك.. 
قطبان في صراع مقنّع
خلال الانتخابات الرئاسية التي أطلقها موت "بومبيدو" المفاجئ؛ قرر شيراك أن يلقي بثقل حزبه الديغولي لمساندة "فاليري جيسكار ديستان" (مرشح حزب صغير ضمن التحالف).
وكان ذلك يعني التخلي عن مرشح الحزب الديغولي "جاك شابان دلماس"؛ الذي خسر الانتخابات لصالح "ديستان". نظر كثيرون الى تحول ولاء شيراك عند اللحظة الاخيرة كنوع من الخيانة، وأعطوا لذلك النجم الصاعد ضمن مجموعة بومبيدو لقبا غير متعاطف، هو: "الطاعن في الظهر"!
أثبت شيراك على مر السنين أنه كان طالبا متحمسا لكتاب "الأمير" لمكيافيلي؛ مؤمنا أن الاستحواذ على السلطة في السياسة يتخطى جميع الاعتبارات الأخرى. عندما استقر "ديستان" سنة 1974 في قصر الأليزيه، تسلم شيراك فيلا ماتينيون رئيسا للوزراء؛ والذي قرر بحزم السيطرة على جميع المقابض الأساسية للسلطة.
يعطي دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة (التي بدأها الجنرال ديغول) رئيس الجمهورية سلطة لا حدود لها على ما يبدو؛ لكن عمليا يمكن للرئيس مزاولة سلطاته فقط من خلال رئيس الوزراء، الذي يتحكم بالميزانية وآليات عمل الحكومة. وهكذا؛ لم يكن من مفر أمام شهية شيراك للسلطة من وضعه بمواجهة ديستان.. الرجل الذي أوصله هو
للرئاسة. 
أصبح الرجلان (بعد نحو عام واحد) وسط صراعٍ مقنّع لم يستتر الا قليلا.. انفجر شيراك غاضبا أثناء لقاء أجريته معه في تموز سنة 1977.. (وهو غضب حقيقي أو مصطنع)، حينما افترضت أنه توقف عن كونه ديغوليا وصار "ديستانيا"، وقال: "هذا هراء.. نحن الفرنسيين نحب اختراع التبعيات.. انا ديغولي وسأبقى دائما كذلك".
ووصف شيراك (ضمن سياق المقابلة) احتمالية استمراره برئاسة وزراء بالأمر المتقلب؛ بدون أن يتوقع أن ديستان سيقيله خلال اسبوعين! لكن ذلك لم يكن نهاية عمل شيراك السياسي؛ وإنما إحدى بداياته المتعددة. 
فقد تسلم رئاسة الوزراء لفترة أخرى (1986 - 1988) تحت رئاسة فرانسوا ميتران الاشتراكي، وترأس أول حكومة (تعايش) مشتركة خلال عهد الجمهورية الخامسة. وأمضى نحو 18 سنة عمدة لمدينة باريس؛ مستخدما المنصب الذي أسسه بنفسه حينما كان رئيسا للوزراء لتعزيز طموحه السياسي.
لكنه لم يفز بالجائزة التي كان يطمح لها: مفاتيح قصر الأليزيه، ليصير رئيسا للجمهورية، إلا عندما حل العام 1995. وبعد سبع سنوات أصبح واحدا من رئيسين اثنين في الجمهورية الخامسة ممن فازوا بفترة رئاسية ثانية؛ وإن تحولت من سبعة الى خمس سنوات.
 
لم يصنع التاريخ
خلال السنوات 1970 - 1979، حينما كان شاه ايران يحاول توسيع آفاقه على الساحة الدولية؛ أثبت شيراك أنه صديق جيد لإيران، وأسس لصداقة شخصية مع رئيس الوزراء أمير عباس هويدا. ومما عزز تلك العلاقة أن كلاهما كان عضوا لما يسمى "دائرة العقد الاجتماعي" التي أنشأها رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق "إدغار فور". 
وكان من ضمن أعضائها الآخرين: "هلموت شميدت" مستشار ألمانيا الغربية، و"ريمون بار" الذي خلف شيراك في رئاسة الوزراء. ضمت الدائرة أعضاء مختارين من إحدى عشرة  دولة أوروبية، وكانت ايران هي الدولة الوحيدة من خارج أوروبا. 
كان شيراك نتاجا صافيا للمدرسة الوطنية لادارة (ENA)، وهي آلية جرى تشكيلها لتجنيد وتدريب النخب السياسية والبيروقراطية للجمهورية. 
بعد سنوات، وخلال محادثة خاصة؛ قال شيراك مازحا أنه ينتمي الى جيل لم يعمل اطلاقا لصالح أحد سوى الدولة الفرنسية، ولم يسكن في مكان سوى المساكن الرسمية. 
حينما غادر منصبه سنة 2007، كان شيراك أقل رؤساء الجمهورية الخامسة شعبية (وفقا لأغلب استطلاعات الرأي). 
ثم لاحقته اتهامات بالفساد واستغلال النفوذ، وواجه (ولو لفترة قصيرة) تهديدا بالاحالة إلى المحاكمة والذهاب الى السجن. لكن الفرنسيين نظروا بعد خمس سنوات الى فترة رئاسته بحنين شبه مكشوف، وأصبح أكثر سياسيي الجمهورية الخامسة شعبية؛ وفقا (مرة أخرى) لاستطلاعات الرأي. 
هل كانت تلك الصور المتناقضة مثالا على تقلبات الرأي العام؟ 
ربما.. ومع ذلك يحتمل أن شعبية شيراك ما بعد الرئاسة تعود لحقيقة أنه لم يقم بأمر مثير؛ جيدا كان أم سيئا.. فلم يجعل لنفسه دور المبعوث المخلص الذي جاء ليخلق العالم الجديد، ولم يقدم اصلاحات (لو جرى تطبيقها) كانت ستخل بتوازن الآخرين. 
وكلما جرى الكشف عن أحد تلك الاصلاحات (ومنها على سبيل المثال- نظام "ديفاكيت" لاصلاح النظام التعليمي)، يقرر شيراك التراجع عنها عند مواجهة غضب الشوارع. صارت فرنسا تحت حكمه وكأنها تسير بالطيار الآلي؛ تتجنب المتاعب ولا تجازف بالمخاطرات، مستمتعة بسلامها وازدهارها وكأن الغد لا يوجد! 
وعلى خلاف ميتران (الذي أراد لرئاسته أن يجري استذكارها بصروح كبيرة، ومحاولات دراماتيكية للاصلاح وإن كانت محكومة بالفشل في نهاية المطاف، وفعاليات طنانة وإن كانت زائفة نوعا ما)؛ فقد بدا شيراك سعيدا بتدبير الأمور على أساس يومي، مدركا أن "صنع التاريخ" لم يعد من ضمن هبة الزعماء السياسيين على امتداد أي من الديمقراطيات الغربية الحديثة.   
 
إطفاء نار العنصرية
رغم ما قلنا؛ لن يكون من الانصاف تجاهل شيراك وكأنه قائد لم يفعل شيئا.. إذ يُحسب له نجاحه في تعزيز الشعور بالتضامن الوطني والتوافق الذي تحتاجه فرنسا متعددة الأعراق، ونبذه الصادق لأي شكل من أشكال العنصرية ومعاداة السامية وكراهية الإسلام، مما سهّل التهدئة واطفاء نيران الطائفية التي قادت يوما ما لاضرام حلقة من الحرائق حول 
باريس. 
حينما كان شيراك شابا انضم لفترة قصيرة إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، غالبا عبر بيع جريدته اليومية  (لومانتيه) "الانسانية-“L’Humanite”"؛ ثم أنهى القمع السوفييتي للانتفاضات الشعبية التي شملت بولندا وهنغاريا أي تعاطف حمله شيراك الشاب تجاه الشيوعية. ورغم ذلك، فقد ترك تقاطعه القصير مع الماركسية وراءه ما كان يحلو لشيراك أن يصفه بأنه "حساسية اجتماعية" تجاه مواضيع مثل الفقر وعدم المساواة والتمييز. وأسهمت خدمته القصيرة في الجيش الفرنسي أثناء حرب الجزائر أيضا بتشكيل بغضه للحروب الاستعمارية. 
 
فرنسا والشرق الأوسط
بصرف النظر عن حالات الفساد التي شملت بعض أسوأ الديكتاتورات التي حكمت افريقيا السوداء؛ اعتبر البعض علاقات شيراك بصدام حسين نقطة سوداء على سجله.. لكن تلك العلاقة كانت تمثل الاستمرارية المنطقية لسياسة رسمتها فرنسا وتابعتها منذ خمسينيات القرن الماضي؛ إذ اعتبرت فرنسا ما بعد الحرب العالمية الثانية أن الشرق الأوسط منطقة قصيّة يمكن استثمارها لتضيف الى ثقل كيانها ضمن المحيط الأوروبي، الذي تهيمن عليه ألمانيا الغربية وبريطانيا 
العظمى! وبذلك السياق ساعدت فرنسا اسرائيل لتطوير ترسانة نووية في وقت كانت بريطانيا تلقي بثقلها وراء دول الجامعة العربية. 
وحينما ابتعدت بعض الدول العربية (خاصة العراق) عن التأثير البريطاني؛ حاولت فرنسا أن تصل إليه كبديل. كانت مساعدة العراق للبدء بمشروع نووي (قد تقود يوما لصناعة السلاح) جزءا من تلك السياسة
الفرنسية. 
وضمن الستراتيجية ذاتها ساعدت فرنسا المشروع النووي الايراني؛ عبر ضمان وصول طهران إلى خام اليورانيوم من خلال المشروع المشترك (يوروديف= Eurodif) (اختصار للمجمع الأوروبي) لتخصيب اليورانيوم بواسطة الانتشار الغازي، وفرع من شركة أريفا الفرنسية- المترجمة) كما باعت فرنسا كميات كبيرة من السلاح خاصة الطائرات الحربية الى العراق، ثم وبدرجة أقل الى ايران، خاصة وحدات الاشتباك البحري الصغيرة. وكانت المساهمة الأخيرة بتلك المسيرة سنة 2001؛ عندما رفض شيراك دعم قرار نهائي لمجلس الأمن الدولي يسمح بصورة خاصة باستخدام الحل العسكري ضد العراق؛ ما أجبر الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين والعرب للتحرك ضمن تحالف يضم الراغبين. 
وعمل شيراك جاهدا أسابيع طويلة لاقناع صدام بالتخلي عن الحكم والسماح بتشكيل حكومة انتقالية يرأسها ولده قصي رئيسا للوزراء. مثل ذلك التحرك كان سيجعل من المستحيل على التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة بغزو العراق وازاحة الرئيس عن الحكم. لكن صدام كانت لديه قناعة بأن الاميركان لن يهجموا، ورفض حبل الانقاذ الذي ألقاه له شيراك.
 
خصوصيات الرئيس- الرجل 
رغم قضائه حياة كاملة تحت الاضواء؛ كان شيراك رجلا يحب الخصوصية، إن لم يكن متكتما. 
لم يعرف سوى القلة أنه كان عاشقا للشعر، وقد حفظ عددا كبيرا من القصائد عن ظهر قلب. ذات أمسية في إيبرني، أثناء مأدبة عشاء لدائرة "إدغار فور"، قرأ شيراك قصيدة "البحيرة" للشاعر ألفونس دو لامارتين بالكامل؛ مستقطبا إعجاب عموم السياسيين والمثقفين الحاضرين. وخلال احدى المقابلات اعترف شيراك، وإن بخجل، أنه كان يكتب في شبابه؛ أو كما وصف الموقف: "ارتكب بعض القصائد القصيرة".
كان شيراك مهتما بدراسة الحضارات والثقافات "الغريبة"؛ خاصة اليابانية، وأحب مشاهدة مصارعة "السومو" التقليدية، وتاريخ الهنود الحمر في أميركا الجنوبية (الذي اكتشفه لأول مرة بفضل كتاب "جاك سوستال" الكلاسيكي "الحياة اليومية للأزتيك). وجد اهتمام شيراك بـــ"الآخرين" التعبير عنه في المتحف الذي أسهم بانشائه بمنطقة كاي برانلي- باريس، مخصصا للفنون والحضارات الافريقية والآسيوية والأميركية ومناطق المحيطات.
 رغم الشائعات بوجود بعض "الهفوات" المتفرقة؛ كانت حياة شيراك الأسرية مستقرة عموما. بدا وكأن زوجته "برناديت" (ابنة الاسرة الثرية القوية) كانت دائما قوية التأثير عليه. 
كان أبا لابنتين ووالدا نموذجيا دائما؛ رغم مسيرة الحياة التراجيدية لابنته الكبرى "لورينس"، التي تخللتها عدة محاولات انتحار. 
كتبت صحيفة "لو فيغارو" في معرض نقل خبر وفاته، عن 86  عاما: "لقد أصبح أباً 
للأمة". ولعل تلك العبارة لم تكن تعليقا على شيراك ذاته بقدر كونها تذكيرا قاسيا بفشل من خلفه في تأسيس صلات مع الشعب الفرنسي. والا قد يرى البعض أن الحنين للماضي هو بمثابة الأفيون لشعب يعيش في شك حول 
مستقبله!.