التظاهرات الشعبية الى أين؟

الأحد 17 تشرين ثاني 2019 409

التظاهرات الشعبية الى أين؟
د. عبد الواحد مشعل
لاشك أن لغة التظاهرات الشعبية مختلفة تماما عن أي  لغة من لغات التظاهرات الماضية، فجيلها العنيد لا يعرف الأيديولوجية، ولا يتعامل معها ،فهو جيل جديد في وعيه وتطلعاته،  انبثقت من عصره ثقافة جديدة لا تعرف الانقياد لأحد، إنما تنظر الى حاجاتها على وفق رؤيتها الواقعية، انه جيل الانترنيت  لا يرهبه احد ولا يخاف حاكما أو سلطان ، معلنا موت كل أشكال جمهوريات الخوف التي تحكمها أجهزة المخابرات  التسلطية، وفي هذا المقام ينبغي على  الحكومة العراقية فهم هذه الحقيقة، وان تبتعد كليا عن استخدام العنف والتنكيل بهذا الجيل الذي إذا ما تمكنت السلطة من كبحه، سيبتكر أساليب سلمية  اشد قوةً وتعبيراً من وسائل العنف الذي قد تستخدمه الحكومة  ضده تحت إي 
ظرف ومبرر.
 
العراق ما بعد الأول من تشرين
علينا أن ندرك تماما وبوعي أن عراق ما بعد الأول من تشرين يختلف عن عراق ما قبله ، وعليه يجب وضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار ،وان إي أسلوب يّتبع للحفاظ على المصالح الحزبية أو الشخصية سوف لا يدوم طويلا لسبب بسيط جدا أن احتياجات الأجيال الجديدة تزداد يوما بعد يوم، وعندما لا يجد لها إشباعا وفي الوقت نفسه تجد إمامها طبقة تكونت حديثا تملك رأسمالا ونفوذا  كبيرين و في الوقت نفسه تفتقر الى رؤية حداثوية لولادة دولة عصرية ، همها الأساسي تقاسم السلطة والمال حتى تحولوا الى ما يشبه امبراطوريات وإقطاعيات ، وهي حالة تتنافى مع الجذر الحضاري لتكون العراق خلال التاريخ. وعليه على الطبقة المتنفذة أن تراجع سياساتها وتشد العزم صادقة لبناء دولة – استطاعت – تتناغم مع أصل التكوين الثقافي للشخصية العراقية وخير العراق كثير يكفيها ويكفي العراقيين وأجيالهم القادمة ان توزع بعدالة وضمير، ولثقافة هذا الجيل الذي يعكس بشكل مباشر وغير مباشر هذا الجيل ولكن بطريقة تختلف من حيث شكل التعبير إلا أنها من حيث المضمون لا تختلف عن أصل ذلك التكوين الحضاري.
 
مراجعة السياسات
يجب أن لا نحلق في الفضاء طويلا فالواقع يدمغ كل التمنيات والخيالات والوعود التي لم تعد تقنع الجيل الجديد ، إذن لابد من آليات واقعية يمكن أن تكون مخرجا للعراق من أزمته قبل أن تنزلق الأمور الى وضع لا يحمد عليه، وبهذا ينبغي فهم التفكير الجديد الذي بات يرفض التقييد  بأي شكل من إشكال الايديولوجيا وينشد الحرية والكرامة وتحقيق الذات، فهو يريد دولة مدنية يتساوى فيها الناس أمام القانون وتتحقق فيها العدالة الاجتماعية، وتصبح الدولة هي المصدر الأساس للقوة والتنظيم الاجتماعي والقانوني لكي تنتظم حياته بشكل متسق في مجالات الحياة كافة، ويأخذ دوره في بناء بلده شانه شأن الإنسان الحر  في المجتمعات الإنسانية التي تسود فيها القوانين والنظم، هذه باختصار  مضمون مطالب الجيل الجديد، وإذا ما تحققت فان أبواب العمل ستفتح وتنطلق القدرات الذاتية ،وتنمو المعرفة وتفتح أبواب الصناعة وتنشط الزراعة، وتتطور المؤسسات التي تقوم على أساس القدرات الفردية في الانجاز، وهذا كفيل بتحقيق الاستقلال الكامل في القرار الفردي ويعطي للدولة زخما ودفعا كبيرين على تحقيق هوية العراق الوطنية المستقلة. وعليه ينبغي مراجعة السياسات السابقة بجرأة ومسؤولية ،لكي بعبر العراق محنته الحالية ، فبدون أن تكون الدولة هي السلطة والقانون الأولى في البلاد فإنها لا تهدأ ولا يكتب لها  الوصول الى مصاف الدول المنتجة والمستقرة ، وخارج هذا الإدراك فان أي محاولة لمراجعة السياسات الحكومية، ستكون بدون أدنى شك، 
بمثابة هواء في شبك.
 
إعمال العقل
في هذه الظروف الحرجة التي يمر بها العراق لابد من إعمال العقل ،والاستماع الى رأي الشعب فهو مصدر السلطات ،فتاريخ الشعوب ماثل أمامنا في كفاحها من اجل الحرية والكرامة، وطالما أن العراق قد اختار النظام الديمقراطي في تنظيم الحكم والحياة فلابد من التخلص فورا من المحاصصة  التي نالت من وحدة المجتمع وتضامنه الشيء الكثير، فالعراق عبر التاريخ تعمل مكايزيمات بنائه الاجتماعي على وفق نسق من الانتظام في رفض إي تجزئة لثقافته لسبب بسيط هو أن حضارة العراق من حيث الأصل حضارة مدنية فمصادر الوحدة الثقافية فيه نابعة من هذه الحقيقة لذا إي محاصصة قائمة على ذلك 
سيكتب لها الفشل الذريع.
أن التظاهرات الشعبية  تسير في الطريق الذي رسمته  القاعدة التاريخية والحضارية في بلورة الشخصية والثقافة العراقية، ولا يمكن لشعب العراق أن يقبل أن تنشأ إقطاعيات عائلية فهو قد يتعامل معها موقتاً، ولكن قاعدته الحضارية تعمل على العكس من ذلك، فتنسف كل ذلك في لحظة غير محسوبة لكل إشكال البناء العائلي المحاصصي، وعليه ينبغي اعمال العقل والتفكير  والتدبر  بماهية  تلك القاعدة الحضارية وبناء الدولة على أساسها ولعل هذا  يفسر فشل  اغلب النظم السياسية التي حكمت العراق خلال التاريخ  والتي أغفلت إعمال العقل على وفق ذلك، وبهذا المعنى فالتظاهرات الشعبية متجهة من حيث المضمون لتحقيق أهدافها على وفق تلك القاعدة الحضارية العراقية، وبهذا المعنى ينبغي إعمال العقل لكي تنظم معاملات الناس وتستقيم الحياة وتتحقق العدالة الاجتماعية، ويعيش الجميع 
في أمان واستقرار.