ألغام أنغولا.. حقول قاتلة وإرث حرب ثقيل

الاثنين 18 تشرين ثاني 2019 122

ألغام أنغولا.. حقول قاتلة وإرث حرب ثقيل
رايتشل كوك
ترجمة: ليندا أدور
من مدينة بنغيلا، الواقعة على الساحل الغربي لأنغولا، تستغرق الرحلة، بالسيارة أربع ساعات للوصول الى قرية كابيو، حيث تبدأ بطرق سريعة مليئة بالحفر تليها طرق رملية تخلو من العلامات، لتتجه بك بعدها الى الأدغال. المكان نائي وفقير، بسكانه البالغ عددهم 82 فردا،  يسكنون منازل صغيرة مبنية من طابوق طيني وحديد متموج، وفيها كنيسة في الهواء الطلق، هي عبارة عن عصي مرتبة، وأما المدرسة فهي مجرد سبورة مثبتة على شجرة.
مع ذلك، بالنسبة للوافد اليها، كابيو قد تكون مفاجأة له، فبالرغم من صعوبة الوصول اليها برا، فان القرية هي محطة ضمن سكك حديد بنغيلا، التي تمر من ميناء لوبيتو غربا، وصولا الى جمهورية الكونغو الديمقراطية شرقا. أعيد اعمار سكة الحديد، التي كانت تعاني من الاهمال خلال الحرب الأهلية بأنغولا، بين الأعوام 2006 و 2014 من قبل الصينيين  الى جانب محطة كابيو.
كانت لكابيو أهمية ستراتيجية خلال الحرب بسبب قربها من خط سكك الحديد، ورغم خلو القرية حاليا من الجنود ، مازال سكانها يعيشون إرث تلك الأيام. فبالقرب منها، وعلى تلة، حيث يفترض أن ترعى الماشية ويلهو الصغار، هناك حقل الغام بحجم سبعة ملاعب كرة قدم، كان قد وضع سابقا لحماية موقع للجيش. 
 
100 إمرأة
خلال أسوأ قتال دار هناك، تم إجلاء سكان كابيو، وعندما عاد أهلها لم يخبرهم احد بما حل بأرضهم عندما تركوها. يقول خوسيه بالانغا، عمدة القرية، أن: "حيواناتنا كانت تموت، وهكذا علمنا بالأمر". في انغولا، يمكن أن تبلغ قيمة البقرة نحو 600 دولار اميركي، وان فقدان واحدة يوضح حقيقة عائلة كانت تجد ما تأكل وستعاني الجوع، "تسبب حقل الألغام بتدمير حياتنا، طلبنا المساعدة وتوسلنا ذلك" ولم يجب
 أحد. 
بمرور السنوات، شعر الأهالي بالامتنان، فقط، لأن شخصا لم تطأ قدمه لغما، لكن مع مطلع العام الحالي، أقامت مؤسسة "هالو ترست" الخيرية البريطانية، مخيما في القرية وجهزته بفريق صغير خاص بها مكونا من 18 امرأة انغولية لنزع الألغام. 
نجحت، منذ ذلك الحين، بإزالة 197 لغما و50 ذخيرة غير منفلقة، وتأمل هالو ان تنهي عملها خلال الشهر
 المقبل. 
يعد مزيلو الألغام، الذين يعيشون  24 يوما وسط موقع واحد في المرة الواحدة، جزءا من مشروع "100 امرأة" الذي يطمح لتمكين المشتركات فيه، الى جانب إزالة الألغام. حتى الآن، تم توظيف 78  إمراة، غالبيتهن للعمل بإزالة الألغام، فيما يعمل البعض الآخر بمجالات أخرى، كالطبخ. تعد إزالة الألغام الوظيفة الأولى لحياة واحدة من كل خمس نساء، معظمهن امهات عازبات وثلاثة أرباعهن لديهن ثلاثة أطفال أو اكثر لاعالتهن مقابل أجر زهيد، لكن بعضهن قد يتحدثن بفرح عن ذلك "المبلغ الزهيد" وقد ساعدهن بشراء أرض أو حتى بناء منزل. 
لكن المكاسب ليست مالية فقط. فإزالة الألغام عملية خطيرة للغاية لكنها ذات فائدة كبيرة لأنغولا، واحدة من أكثر دول العالم المليئة بالالغام. تقول ماريا نيفا، (19 عاما)، وهي من أصغر النساء سنا من العاملات في كابيو: "عندما بلغني انهم لا يوظفون الرجال فقط، شعرت ان من واجبي ان اثبت ان النساء ايضا يمكنهن القيام بالمهمة". عن شعورها بالخوف تقول نيفا مبتسمة: "نعم شعرت بالخوف، في المرة الأولى التي رأيت انفجارا، لكنك ستعتاد على الأمر، فالتغيير الكبير قادم لأنغولا، وأخيرا ستصبح دولة
 آمنة". 
 
تفاؤل معدي
يبدو أن تفاؤل نيفا كان معديا، لكن المهمة  كانت جسيمة، فقد بدأت الحرب الأهلية في أنغولا سنة 1975، ومع نهايتها سنة 2002، كان أكثر من نصف مليون شخص قد قتل، فيما نزح الملايين، وغطت الالغام ريفها ومدنها وطرقاتها. فكم عدد الألغام في
 انغولا؟ 
من المستحيل الاجابة عن هذا السؤال، فالفصائل المختلفة لم تترك خارطة، لكن هالو التي لديها كادر مكون من نحو 400 موظف يعملون ضمن 28 فريقا، قد أزالت حتى الآن 100 الف لغم أرضي (مؤلفة من 75 نوعا من المتفجرات وصناعتها من 22 بلدا مختلفا). ففي كويتو كوانافالي وحدها، الموقع الذي كان للفترة من آب 1987 حتى آذار من العام 1988، واحدا من أكبر ميادين القتال الذي شهدته افريقيا منذ الحرب العالمية الثانية، تمت إزالة 35 الف لغم منها. وعلى امتداد عموم أنحاء أنغولا، ما زال هناك 1100 حقل ألغام معروف وأكثر من 500 الف
 قنبلة. 
هل يمكن لأنغولا، البلاد التي وقعت على معاهدة اوتاوا لحظر الالغام سنة 1997، ان تفي بالتزاماتها وتصبح خالية من الالغام بحلول العام 2025؟ ربما يكون الرد ايجابيا فقط إذا تم تمويل العمل كليا، والمقدرة كلفته نحو 300 مليون دولار أميركي، من مانحين دوليين كحكومتي الولايات المتحدة وبريطانيا. لكن الأمر يتطلب أموالا اضافية، بحسب آليكس فاينز، رئيس برنامج افريقيا لدى تشاتام هاوس، فوفقا لمعدل التمويل الحالي لن تكون انغولا خالية من الالغام حتى
 العام 2046.
 
سعداء كعائلة
تصحو النساء بمخيم كابيو عند الخامسة فجرا، فيرتدين الزي والأحذية الخاصة، ويصطففن خارج خيمهن استعدادا للتسجيل، لا تزال وجوههن تحتفظ بنعومة الصباح وهن يجبن على اسمائهن. بعد مرور خمس دقائق، يصعدن مع أجهزة الحماية خاصتهن، على ظهر شاحنة، لتنطلق بهن بعدها بدقائق إلى السكة الحديد. ورغم التدريب العالي الذي تلقينه، اذ تخضع كل منهن لدورة تدريبية لمدة شهر كامل على نزع الالغام، الا ان كل مناوبة عمل تستهل بعرض للتذكير بالمخاطر التي يمكن ان تواجههن. وهناك، على الدوام، سيارة اسعاف متوقفة الى جانب خط
 السكة.
مع شروق الشمس، ينتشرن لتأخذ كل منهن موضعا على حافة الأرض التي سبق وان تم تطهيرها من الالغام، تنطلق صفارة إيذانا بالاستعداد للبدء بعملهن، ومع الصفارة الثانية، يجثين على ركبهن ويمررن أجهزة الكشف عن المعادن فوق مستطيل صغير من الارض سبق لهن وان وضعن عليها علامة حمراء. في حال لم يصدر الكاشف صوتا، يستمرن بالتقدم الى الامام ويعيدن الكرة، وإلى جانبهن جردل للأدوات ومقصات لمعالجة الفرشاة، وعصي ملونة لتأشير الأماكن التي تم تطهيرها. ينجز العمل يدويا، وببطء وجهد شديدين، وخلال نصف ساعة تقريبا، هناك استراحة لعشر دقائق فقط بين مناوبة واخرى.
هنالك نوع من المساواة بين الجنسين في الأمر، تقول اسبيرانزا نجاندو، (24 عاما) بأنها أندفعت للتقديم الى الوظيفة لدى هالو عندما أخبرها صاحب العمل بأنه سينقذ حياة أناس آخرين: "لقد هزتني تلك
 الكلمات". 
وعندما أدركت بأنها ستضطر للعيش بين الأدغال لأسابيع في كل مرة، بكت، فلديها زوج وطفل يبلغ الثالثة من العمر، لكنها الآن تحب هذه الحياة ووجدت الألفة فيها، "نحن سعداء هنا.. كأننا عائلة".
كشف الاحصاء الذي اجري العام 2014 عن وجود 88 الف ضحية على قيد الحياة بسبب مخلفات الحرب، فضلا عن استمرار الحوادث في مناطق سبق وان اعلن عن تطهيرها رسميا. 
فمدينة هوامبو، لم يبق فيها سوى حقل ألغام واحد لم يتم تطهيره حتى الآن، وقد نتج ذلك عن نمو شهدته المدينة بشكل كبير منذ زيارة الأميرة ديانا لها سنة 1997. فقد تم تطهير حقل (H013)، الذي اجتازته وهي ترتدي عدة الحماية كاملة، العام 2005، واليوم، وبعد أن سار ابنها الأمير هاري على خطاها، ليجده وقد أصبح شارعا مزدحما، يعج بالناس والمركبات، تبقى النتيجة واحدة، فمنذ شهر، لقي ثلاثة أطفال من عائلة واحدة حتفهم عندما انفجرت ذخيرة غير منفقلة وسط
 المدينة. 
 
صدمة وألم
يعيش مانويل رودريغز (10 سنوات) في مدينة سانت انطونيو، القريبة من عدد من القواعد العسكرية بهوامبو. قبل ثلاث سنوات، كان رودريغز، مع أربعة من ابناء عمومته يلعبون بثمار المانجو الملقاة على أرض تعود لجده، عندما إلتقط أحدهم شيئا ما، فتلاه انفجار، قتل الصبي فيديريكو، وفقد مانويل وأحد ابناء عمومته، إرميا، جزءا من أرجلهما، وأنقذهما الجنود وأمضيا ثلاثة أسابيع في المستشفى. 
كيف كانت حاله عندما عاد الى البيت؟ يقول مانويل، وهو ينظر الى قميص نادي ليفربول (هو أحد مشجعيه): "كان الأمر صعبا في البداية، كان علي ان اتعلم كيفية استخدام العكازات، وكنت اسقط طوال الوقت"، وإذا حالفه الحظ فسيحصل على ساق صناعية من مستشفى هوامبو للعظام والذي جرى تغيير اسمه مؤخرا استذكارا للراحلة
 ديانا.
يعيش آخرون مع جراحهم منذ عقود، بالقرب من ذلك، يقع منزل لوسيانا باروسو، وهي أم لثمانية، وقد فقدت بصرها منذ العام 1994، عندما كانت في التاسعة من عمرها أثناء حادث قتلت على إثره شقيقتها فالنتينا، فقد ذهبت الفتاتان الى الحقول القريبة بهدف جني البطاطا، لتضرب شقيقتها لغما بمجرفة، انفجر على إثرها. 
وبطريقة ما، تمكنت لوسيانا من سحب نفسها بعيدا الى الطريق، لينقلها صبي على دراجته الى المستشفى. تستذكر لوسيانا الحادث والدموع تتساقط على وجهها: "كنت أتطلع لأمل عودة بصري مرة أخرى، وعندما خرجت من المستشفى لم يخبرني أحد بأن لن يمكنني ذلك، وما زلت أعيش الصدمة، لا استطيع القيام حتى بأشياء عادية"، عند مدخل البيت، تقف والدتها، ماريا، وهي تبكي بصمت. 
سيكون من السهل الشعور باليأس عندما نعلم بحجم العمل المنتظر، لكن هناك حقيقة أن 30 بلدا قد تم تطهيرها من الالغام منذ العام 1997، وقد أعلنت موزمبيق دولة خالية من الالغام سنة 2015، وقد استغرق ذلك 22 عاما. 
 
*صحيفة الاوبزرفر البريطانية