حكايات عراقيَّة

الجمعة 22 تشرين ثاني 2019 96

حكايات عراقيَّة
حسن العاني 
 
 - 1 - 
غبش هو، او هي غشاوة او حبّات رمل حملتها (عاصفة صحراويّة) دفعتنا مكرهين الى إغماض عيوننا، لحظة او بضع لحظات ريثما ينجلي الغبار وتستعيد الرؤية عافيتها... وفي إغماضة العين تلك لم ننسَ ألف صورة وصورة تسكن في أعماق الروح وطراوة الذاكرة عن حقيقة العراق والعراقيين الأصلاء.. وكنتُ أراهم ذات ضحى وهم يجتمعون في صف طويل أمام المصعد الكهربائي الوحيد للبناية المؤلفة من عشر طبقات، وكلما وصل "مراجع" أخذ مكانه الطبيعي في آخر الصف، إلّا حين حضر الفنان خليل الرفاعي، فقد ترك الجميع أماكنهم واستقبلوه بمحبةِ أمٍ عاد ولدها الغائب بعد غيبة طال أمدها، الناس تكاد تحمل الرفاعي وتقوده ليكون أول الواقفين في الصف الطويل، ولن ينتظر حتى يأتيه الدور بعد ساعة او اكثر..  رحم الله ذلك الرمز الفني المبدع وطوبى لابناء الرافدين...
من أعماق الروح وطراوة الذاكرة أستعيد غرفة الانتظار في عيادة الدكتور مظفر (طبيب العيون)، كنت اجلس جوار "السكرتير" نتبادل حديثاً مفتوحاً بعد أن أمسى الرجل شبه صديق مقرّب من اصدقائي لكثرة مراجعاتي وكثرة المتاعب من ضعف النظر الى الجفاف والماء الابيض، وثمة رجل أخذت الشيخوخة منه والحاجة وعسر الحال كلّ مأخذ، يتقدم نحو سكرتير الطبيب على حياء ويقول له بما يشبه الهمس (ما عندي غير عشرتالاف دينار أجرة الكشفيه) ومبلغ "الكشفية" او اجور الفحص هي عشرون الف دينار، ولأنّ السكرتير لم يكن افضل حالاً من حال المراجع فقد أربكه الموقف.. بإشارة من يدي حرصت ان لا يراها المريض أفهمت السكرتير أنّني سأدفع المبلغ المتبقي من الأجرة، ولكنّه بحركة من يده طلب مني إمهاله دقيقة ربما يرى الدكتور.. وفعلاً لم يمكث أكثر من دقيقة حتى عاد الى مكانه... بعيداً عن التفاصيل حدث التالي: الطبيب لم يكتفِ بعدم استيفاء دينار واحد من الكشفية،، بل أعطى السكرتير مبلغاً من المال وطلب منه شراء العلاج للمريض، موقف نبيل من مواقف العراقيين الأصلاء، ولكنّني لم أحدثكم بعد عمّا يستقر في أعماق الروح وطراوة الذاكرة، فالشيخ العجوز الذي أتعبته الشيخوخة والحاجة وعسر الحال، دمعتْ عيناه ثمّ انفجر باكياً وهو يتوجّه بالدعاء والشكر للطبيب، ولكنّه غادر العيادة مسرعاً ولم يدخل غرفة الدكتور.. كانت عزّة نفسه فوق حاجته ومرضه.
حي السلام (الطوبجي) من أحياء بغداد الشعبية، وسكانه خليط عراقي من الاديان كلها والمذاهب والقوميات، كنت احد الشهود الحاضرين على حفل الزواج الذي يقيمه (قاسم ابن الشرطي) امام داره، وقد تولى شباب الطرف مهمة العمل لتهيئة مستلزمات الحفلة.. كانت أجواء الفرح والمزاح والمقالب والزغاريد سيدة المكان حين انطلقت فجأة صرخة من بيت العم بهلول (ابو سعدون) وهو شخص كردي، وداره مجاور لدار العريس..  الصرخة كان لها وقع العياط، سرعان ما اتضح انها حالة وفاة، قاسم وشباب الطرف نقلوا على عجل مكبّرات الصوت من سطح العريس الى سطح المتوفى، وارتفع صوت القرآن الكريم بدلاً عن الغناء، ومازالت آلاف الصور عن الأمس والحاضر تروي حكايات العراقيين الأصلاء برغم الغشاوة وعواصف الغبار...