الكتابة تأسيس للجمال

السبت 23 تشرين ثاني 2019 165

الكتابة تأسيس للجمال
  حميد المختار 
 
سؤال لا يمكننا أن نجيب عنه بسهولة.. لماذا نكتب؟ هل لتزجية الوقت؟ ام للبحث عن نجومية ما..؟ ام اننا خلقنا لان نكتب، كما لو كنا موظفين وان الكتابة هي وظيفتنا الاساسية.. ربما يبرر للشاعر كتابته للشعر انه بين حين وآخر وتبعاً لمزاجه العاطفي يكتب شيئاً من الشعر بكل تلقائية ويقرؤه على بعض الاصدقاء.. اذن ما علاقتنا بالكلمات..؟ هل هي التي تقود الكتابة ام ان الكتابة هي التي تقود اليها.. تلك الكلمات المخبوءة في لا وعينا في قاموس الاعماق المظلمة.. تبدأ ثم تنبجس فجأة كمياه العين الصافية.. شيئاً فشيئاً نغتسل بها ونطهر ارواحنا.. الهذا نكتب اذن..؟ لتطهير الارواح وجلاء النفوس من صدئها المقيم ..؟ إذن فنحن نكتب لأنفاسنا دون القارئ الذي سيأتي في آخر القائمة.. سيكون طارئاً مر صدفة من امام كلماتنا ودفعه فضوله لقراءة هذه الكلمات.. هل حقاً نكتب لانفسنا ام اننا نجعل من انفسنا ذريعة للكتابة مخاطبين الاخر من خلالها.. ربما كان الامر سهلاً للرسامين والنحاتين والموسيقيين أنّهم يدخلون المعاهد ليتعلموا، الا الكاتب فهو لا يمكن ان يفقه شيئاً من درس يقوده لكتابة قصة قصيرة ناجحة او رواية.. ليس ثمة معاهد تعلم السرد او الشعر.. العلماء والمختصون ارجعوها الى الموهبة.. الموهبة هي البذرة الملقاة في ارواحنا.. هي بذرة الجنون التي تقودنا الى معترك الكتابة والدخول الى متاهاتها.. حين تدخل المتاهة فانك لن تعود الى الباب الذي دخلت منه ابداً.. واذا اردت الخروج فستخرج من باب آخر قد يقود الى موتك السريري.. ثمة الكثير من الذين توهموا انهم يمتلكون الأداة الكتابية وانهم قادرون على كتابة رواية مقروءة.. وفي الاخر يكتشفون انهم فاشلون وغير قادرين على اختراق حدود رغبات القراء او حتى الاقتراب منهم، القارئ هو البارومتر الحقيقي لابداعنا.. كيف يمكننا ان نضع طعمنا في طريقهم.. هو اشبه بالفخ لكنه فخ جمالي يقود الى اليوتوبيا والنرفانا.. نحن نصوص الوقت ومداهمو ليل الناس ورواد السهر والحمى والقلق.. معذبون نحن في بوتقات الكلمة نطهو احلامنا في قدور الانسانية لتخرج للناس صفحات مكتوبة بقطع من الدم الحي.. هذا الدم الذي نزفته الروح وهي تسير قدماً للخروج من محنة الضياع في تلك المتاهات.. نحن نكتب لان الكتابة هي محاولة للعيش في اضيق الحدود واتعسها نكتب لنشفى من الوحدة والاحتضار الدائم.. نكتب لنشعر بانسانيتنا وننتصر للحياة مقابل هيمنة الموت واستفحاله.. نكتب لنضحك ازاء المأسي الكبرى التي تمر بها البشرية الان.. نكتب لننتصر للضحية وهي تحارب الجلاد بصراخها وخروجها على قوانينه الجائرة، نكتب لنسترد هويتنا وعمق حضارتنا وتاريخنا، نكتب ونخرج على المألوف وعلى الخديعة والكذب لهذا كله نكتب لنحيا بكرامة ولنؤسس للجمال والمحبة...