التعويذة والقفل

الأحد 24 تشرين ثاني 2019 177

التعويذة والقفل

ياسين النصير

كلُّ الأفكار مفاتيح، كلّ الرغبات مفاتيح، وبالإمكان تعميم الاستعارة على مفردات حياتنا اليوميّة ابتداءً من البيت الصغير وحتى المجتمعات الكبيرة. بينما يكون القفل المجال الذي تدير شؤونه المفاتيح، ابتداءً من حيز البيت الصغير وحتى مؤسسات الدولة ومشروعاتها، وعلينا أن نكيّف طبائع المفاتيح لطبائع الأقفال. لم يقف الأمر عند حدود الأفكار المجردة، فاستعارة المفاتيح افكارًا، يعني أن تحول أي مشروع غير قابل للعمل إلى حلول ممكنة، كما لو كنت تزرع في صحراء رملية، فأي مشروع حتى لو كان حوارًا، سيكون مبنيّا على جدلية القفل والمفتاح، كل فكرة عصية لا بدّ لها من حل، شرط أن تضعها في مجال تطبقها فيه، ليس من حلول مجردة، تتحول الأفكار من المفاتيح إلى أقفال حينما لا تجد أرضية للتطبيق، أو لاتجد من يتحاور حولها. بينما تتحول المجالات إلى مفاتيح، حتى لو كانت مقفلة. عندما تستعير تجارب سابقة لشعوب جرت فيها تطبيقات متشابهة، يكون المفتاح الذاتي عالميًا. فالعلم مبني على وحدة جدلية العمل المشترك، أيا كانت المجالات، وأيًا كانت الأفكار. 
ضمن هذا التصور الفلسفي، يعني ثمة مسار معقد يجري البحث التاريخي فيه لفهم أي مشكل.. ومع الاعتقاد بأنه ليس من مفتاح واحد لكل الحلول، ولا كل الحلول تعين مفاتيحها بذاتها، سنلجأ لتاريخ المشكلة ومن هناك تعيننا الميثولوجيا التي تلازمنا حتى في عصورنا الحديثة. كان السحر الميدان العملي لحلول مشكلات الإنسان النفسية، وكانت الزراعة حلولًا لمشكلات العيش البشري، وكانت الطبيعة بأبعادها الواقعية والميتافيزيقية مجالًا للتطبيقات البشرية، بأخطائها وصوابها،  فالقوى الشريرة التي تحتل كل أمكنة الظلام، بما فيها النفوس السيئة، كانت من الحضور عبر السحر والتعاويذ لدرجة أن بيوت الإنسان القديم فرزت لها حيزًا للعيش معها، وما زالت بيوتنا الجنوبية إلى اليوم تبنى بناء على اتجاهات القبلة وبيت المقدس، وأن أمواتنا لا تتوجه رؤوسهم للكعبة كالصلاة، بل لبيت المقدس، حلول الآخرة تجدها في مفاتيح الحياة اليومية، وأن عتبات البيوت في الليل تترك فيها بقايا طعام للملائكة التي تسكن مداخل البيوت، فحلول العيش المشترك تمزج بين المتخيل والواقعي، هذه الطاقة الروحية اقفلة ومفاتيح كلها، وكأنها حلول جرى تمثيلها منذ عصور الانثروبولوجيا الأولى وحتى اليوم، ومن عاش في الأهوار والقصبات البعيدة عن المدن لا يجد إلّا تلك الحياة البدائية التي توفر لساكنيها نوعًا من الطمأنينة المؤقتة، فالماء الذي يجري يصنع بجريانه مجرى ذاتي للناس، أن حياتها المعاصرة كما تقول الميثولوجيا ليست
 إلّا  أمسها. 
فكل الأسئلة المعاصرة هي مفاتيح واقفلة ولذلك يبقون في دائرة المألوف. لذلك يصبح زعيم القبيلة ساحرًا، عندما يغيّر مجرى حياة الأشخاص، ويصبح العرّاف مكانة اجتماعية تميزه عن البقية لأنه أدرى بنفوسهم منهم، ويصبح المتنبئ بمواعيد المطر والريح شاعرًا، وتبقى كل حواس الأرض تدور في فلك هؤلاء الساعين لترسيخ الثوابت، فاكتساب المعرفة الغيبية واحدة من الامكانية السرية لاقفال الجسد.
في اي تصور تضع معادلة القفل والمفتاح، ابتداءً من تكوين الجنين وحتى العودة إلى القبر، الخروج من تيه الكائن الحي والعودة للتراب واحدة من السرديات الكبرى التي تدور فيها افلاك كونية تستقر أحيانا في مظاهر يوميّة للعيش والحب والجنس.