الغموض والحداثة والموقف

الثلاثاء 03 كانون أول 2019 133

الغموض والحداثة والموقف

د. كريم شغيدل

 
 
إنَّ شيوع الغناء واستقطابه لأنماط معينة من الشعر العربي، لاسيما الشعر الغزلي والمدائح الدينيّة من جهة، وتكريس مؤسساتية الشعر العمودي من جهة ثانية، قد تضافرا إلى جانب عوامل أخرى على إبعاد شعر الحداثة عن الواجهة، ومن ثمَّ انطوائه على أنماط تجريبية لم تكرّس أنموذجاً للحفظ والاستشهاد أو للتكرار والمحاكاة أو اختزال المُثل، كما هي حال الشعر التقليدي، بمعنى آخر إنَّ الشعر الحديث راح يفقد بعده الثقافي الاجتماعي مكتفياً بأبعاده الفنية والأدبية، حتى تحوّل الشكل في بعض التجارب التي أعقبت الرواد إلى مضمون، وتحوّلت المضامين إلى مجموعة من الإشارات والشفرات والطلاسم والإيحاءات النفسية والترميزات الأيديولوجية والعلاقات اللغوية المرتجلة، فقد أدت الانزياحات اللغوية المجرّدة إلى الإخلال بنظام الاستعارة، ومن ثمَّ تشظي الصورة الشعرية وفقدانها تأثيراتها وإيحاءاتها، بل إنَّ بعض التجارب اتخذت من الغموض معياراً للحداثة، وقد انفتحت الأشكال الشعريّة على مساحات أوسع من (الشعريّة) المتداولة، فراحت تتنافذ مع أشكال فنية مختلفة، مستعارة من فنون الرسم والسرد والدراما والسينما، كما شاع نمط من الكتابة المفتوحة تحت جنس (النص المفتوح) في محاولة للبحث عن تجليات الشعر خارج البنى التقليدية للشعر، بل خارج أدواته وتقنياته، وقد أدّت عمليات التهجين النصّي إلى خلق نتاج شعري مُنفر للذوق الأدبي العام، ما جعله يفقد خواصّه الاتصالية، ويخسر رسالته الأخلاقيّة، فقيم الرفض والثورة والتغيير والتحرر، وتهديم البنى التقليديّة، وجميع الدوافع والتطلّعات، لم تتحوّل إلى انشغال ثقافي للمجتمع، إنّما بقيت في إطار تداول النخبة، ما لم نقل نخبة النخبة، الأمر الذي كفى مؤسسات السلطة التقليدية شر القتال، إذ لم تعد هذه النصوص تشكّل خطراً ملموساً، خطرها الوحيد أنّها تجرّأت على تحطيم القيود التقليدية وكسر الأنساق المتوارثة في الأدب، وما دام هذا الخطر لم يتمكّن من مداهمة البنى والقيود والأنساق التي تحكم البناء المؤسساتي للسلطة والمجتمع، فهو لا قيمة له، فالسلطة والمجتمع يتواطآن على تغذية النسق بهيمنة أيديولوجية متماسكة، ولكي يتمَّ اختراق هذه الهيمنة لا بدّ من خلق اتصال فعّال بثقافة المجتمع وهو ما لم تحققه نصوص الحداثة بسبب انغلاقها النخبوي.
     إنَّ ما يقال عن النصوص يمكن أن يقال عن حركة النقد الحديث، فقد استمرأ النقد عملية الانطواء على الأوهام النخبوية التي بدأت تتكرّس منذ حقبة الستينيات، وراح يغذيها ويسهم في تضخيمها، فدخل من باب التأويل وفكِّ الطلاسم، حتى سرت عدوى الغموض على خطاب النقدية الحديثة، لئلا تتهم بالتخلف والجمود والجهل بالحداثة، وهو ما طال بعض أصوات النقد التي حاولت أن تتصدى فلم تسعفها أدواتها النقدية من جهة، ولم تحظَ بقبول المؤسسات الثقافية من جهة ثانية، فكان النقد أمّا رسمياً تقليدياً منشغلاً بالشعر الرسمي التقليدي، أو متماهياً مع الطموحات النخبوية لشعر الحداثة، وقد تميّز الصنف الأخير بالابتعاد المتواصل عن النصوص، باتجاه التنظير وإعادة إنتاج المفاهيم المستعارة، فلم يسعَ لردم فجوة الاتصال بين الشعر الحديث وثقافة المجتمع، علماً أنَّ الشعر الحديث عموماً فقد معظم السمات المنبرية، وتخلى عنها مع ما تخلى عنه من سمات الشفاهية والخطابة، ومثلما هو مطالب بتعويض تلك السمات بسمات جديدة للتأثير والاتصال، فالنقد مطالب أيضاً بتقريب هذا الشعر من الذائقة الثقافية للمجتمع، لا بتمجيد النصوص وإطرائها والتنظير لها فحسب، وإنما بالكشف عن عوالمها الحقيقية المدركة والخفية،  والإحاطة بمدلولاتها وخصائصها الأسلوبيّة، والتنويه بمحمولاتها الجمالية والمعرفية، وما تنطوي عليه من تجارب إنسانية، ومن ثمَّ تحريض التجربة الشعرية نفسها بكشف عيوبها النسقية، وإخفاقاتها الفنية البنائية والتعبيرية والجمالية، والوقوف على الآثار الثقافية للنصوص، ليعرف كلٌّ من الشاعر والمتلقي، أين تقف هذه النصوص من التجربة الإنسانية ومن الأدب العالمي أو العربي أو المحلي، وما الأجواء التعبيرية التي ابتكرتها لتكرّس المدلولات والقيم التي تنطوي عليها.
      في ثمانينيات القرن المنصرم، مع بدء الحرب العراقية الإيرانية، جنّدت المؤسسة الثقافية كل طاقتها لإشاعة وتكريس الشعر الشعبي الذي سبق للسلطة أن أصدرت قراراً بمنع تداوله، ثم أعادت للأذهان صورة الشعر العمودي التقليدية بكل أنماطها النسقية وعيوب خطابها، من تجميل لصورة الموت وتحريض على العنف وتكريس لاستبداد السلطان وما إلى ذلك، بينما ولد جيل مختلف رافض للحرب، فدشن عوالم مختلفة في الكتابة، عكست سياقات ثقافية جديدة، مسكوت عنها، فعلى أيام الحرب سادت الرطانة في الشارع العراقي، لغات ولهجات مختلفة للوافدين، يخالطها ضجيج الأناشيد والبيانات وأنباء الموت وخطب الطاغية ومخاوف الناس وقلقهم على أبنائهم، وحملات زج المواطنين بما يسمى الجيش الشعبي، وسيادة اللون الزيتوني العسكري على الحياة، وهذه السياقات قد أنتجت خطاباً شعرياً غامضاً فيه الكثير من هذه الرطانة، حتى الشعراء أنفسهم غيّروا في ما بعد من أساليبهم وفهمهم للشعر، وإذا كان انعكاس تلك الرطانة جزءاً من تخلق النصوص ضمن سياقات ثقافية معينة، فإنّ النصوص نفسها بما عكسته وما جاءت به من غرائبية وغموض وتمرّد على البنى التقليدية، كانت تشكل موقفاً مضاداً للحرب وللسلطة.