سكان جاوه والعيش على تجارة الخردة

السبت 07 كانون أول 2019 148

سكان جاوه والعيش على تجارة الخردة

شاشانك بينغالي

ترجمة: بهاء سلمان
لم يسمع الا قلة من الأميركان بهذه القرية، الواقعة بين حقول الفول السوداني ومصنع للورق داخل جزيرة جاوه؛ غير أن الناس هنا قد صار لديهم إلمام كبير بالولايات المتحدة، من خلال النبش في نفاياتها.
لقد مشطوا الكثير من الحاجيات والمواد، من مختف أنواع الملابس والأقراص وعبوات مواد الاستحمام، وحتى وجدوا أحيانا أوراقا مالية؛ وكثيرا ما أثار دهشتهم ما يرميه الأميركان، كما يقول ايكو واهيودي، 43 عاما، أحد التجار الكثيرين في بانغون، القرية التي تقطنها 1500 اسرة والواقعة ضمن النهاية المستقبلة لتجارة تحويل المخلفات التي تقدر قيمتها بأكثر من مليار ونصف المليار دولار سنويا.
ترسل الولايات المتحدة والدول الغنية الأخرى سفنا تحمل الخردة الى قارة آسيا، إذ يتم تخزينها واعادة تدويرها لتزويد القطاعات الصناعية المتعطشة للمواد الخام، وتستورد اندونيسيا كميات كبيرة من الورق المستعمل لتحويلها الى كارتون. ومن الأسرار القذرة لتجارة المخلفات وجود نفايات أخرى ، مثل القمامة البلدية، التي غالبا لا يمكن استعمالها في التصنيع.
 
فوائد ولكن!
لكن حتى تلك النفايات لها قيمتها في اندونيسيا، إذ تبيعها مصانع الورق الى القرى المجاورة، التي تشهد ارتفاعا مفاجئا بقطاع الصناعات القطنية، لتستخلص أية مواد تخدمها. أما الأشياء التي لا يمكن اعادة بيعها، مثل قناني المشروبات الغازية وأكياس البقالة وتغليف الأطعمة، فتنتشر متبعثرة على الطرقات والحقول والأشجار، وساقطة في القنوات المائية، محيلة القرية الى ما يصفه البعض بمقلب للسموم.
وبضغط تمارسه المجاميع المدافعة عن البيئة، بدأت اندونيسيا ودول آسيوية أخرى فرض اجراءات صارمة على واردات النفايات الأجنبية في مسعى لتقليل تلوّث التربة والمياه والهواء. ومنذ حزيران الماضي، أعاد المسؤولون الاندونيسيون أكثر من 330 حاوية نفايات الى مصدرها، بضمنها 148 أتت من أميركا، لأن الشحنات خرقت القاونين الخاصة باستيراد القمامة المنزلية أو المواد الخطرة، وتم احتجاز مئات الحاويات الأخرى، أو قيد
التقصي.
وبينما رحب البيئيون بهذه الأنباء، كان لسكان بانغون رد فعل مختلف: "النفايات الآتية من الولايات المتحدة هنا تعني الوظائف،" يقول واهيودي، الذي غالبا ما يشغل عشرين عاملا لتصنيف القمامة خارج منزله، ويدفع لكل واحد منهم 3,5 دولارات يوميا. ومع تناقص عوائده المالية بنسبة ثمانين بالمئة هذا الصيف، اضطر لتشغيل عدد أقل من العمال وحوّل آخرين الى العمل بدوام جزئي: "يعتمد الكل هنا على هذه التجارة، الغني والفقير. بدونها، قريتنا 
تعاني."
بدأت تجارة الخردة هنا سنة 1980، حينما فتح مصنع الورق المجاور للقرية، فقد اكتشفت الاسر الزارعة للفول السوداني والرز لأجيال أن بمقدورها تحقيق كسب سريع للمال بالعمل في القمامة المستوردة التي لا يستخدمها المصنع. حاليا، هم يطلقون على أنفسهم مزارعي البلاستك. تقول ميزنا، وهي امرأة أربعينية العمر بدأت العمل بالتقاط الخردة قبل بلوغها العشرين عاما: "هناك مال أوفر في القمامة، ولا يضطر المرء لانتظار موسم الحصاد."
 
منظر مفجع
كانت ميزنا تحمل مجرفة عبر حقل واسع مفتوح يعج بقطع البلاستك، محاولة التقاط أي شيء ذي قيمة. بعد ذلك، وضعت بعض القطع، بعد تفحصها، داخل دلاء خاصة. وتمثل علب الألمنيوم وأحواض الغسيل والقطع البلاستيكية الصلبة الأخرى أغلب ما يمكن الانتفاع منه، لكن الجزء الأعظم من الحمولة الأخيرة كان بلا قيمة، وستضاف الى المنظر الذي تغطيه القطع البلاستيكية.
حتى القطع البلاستيكية تستخدم كوقود للطبخ، فعلى بعد أميال عدة من القرية، يعمل بودي سانتوسو على خلط البلاستك مع نشارة الخشب، ويشعل الخليط ليبدأ بقلي كميات كبيرة من التوفو (مادة غذائية تستخلص من فول الصويا- المترجم)، التي يبيعها سانتوسو الى متاجر البقالة المحلية: "أنا أعلم بأفضلية حرق الخشب، لكن البلاستك سعره أقل الى النصف ومتوفر بسهولة وكثرة، "يقول سانتوسو، الذي أشار لعدم شكوى عمال مصنعه من الدخان الناتج عن احتراق البلاستك.
وساعدت تجارة الخردة على ازدهار أحوال أسر بانغون، وغالبيتها من المسلمين، فقد تمكن افرادها من الذهاب الى مكة لتأدية فريضة الحج وتكفلوا بمصاريف تعليم أطفالهم، كما تملك الأسر منازل بواجهات براقة، وكل فرد لديه سيارة أو دراجة نارية يوقفها خارج منزله، أحيانا بجانب كومة خردة.
ويشتكي بعض السكان من الغبار المصاحب لشاحنات نقل النفايات، أو من الدخان الذي يسود أجواء القرية حينما يحرق البلاستك، لكن غالبية السكان يشعرون بالفخر بعلاقتهم مع الخردة، مشيرين الى أنها تجذب عمالا من قرى مجاورة.
 
انحدار الحركة
وتباطأت حركة نقل الخردة الى بانغون، فبعدما كانت تدخل اليها من عشرة الى 15 شاحنة يوميا السنة الماضية، تقلّصت الى مجرّد بضع شاحنات اسبوعيا، كما أن غالبية ما تتلقاه القرية من مخلفات هي اندونيسية المنشأ، بضمنها بلاستك محلي الصنع، الذي يعرف بكونه ذا جودة متدنية وذا قيمة أقل بالنسبة لمن يعمل في اعادة التدوير عن الخردة الآتية من الدول 
الغربية. 
وتقول احدى العاملات بنبش القمامة أنها كانت تكسب من سبعة الى ثمانية دولارات يوميا العام الماضي، أما حاليا فتكسب دولارا واحدا فقط.
اندونيسيا، دولة أرخبيل الجزر البالغ سكانها 270 مليون نسمة، تكافح منذ زمن لتسيير شؤون قمامتها الخاصة، فمدنها تنتج 115 ألف طن من النفايات يوميا، لا يتم اعادة تدوير 85 بالمئة منها، بحسب تقارير البنك الدولي. وهذه النسبة لاتعد كبيرة مقارنة بما يفرزه الأميركان من مخلّفات، لكن الخبراء يعتقدون بانتهاء مسيرة النفايات الأندونيسية الى المحيط والمسطحات المائية الأخرى، واكتشفت مجاميع بيئية آثارا لجسيمات بلاستيكية داخل أحشاء أسماك نهرية، نتيجة لرمي حفاظات الأطفال في نهر برانتاس. وشهد العام الماضي تدفقا هائلا للقمامة الأميركية على اندونيسيا، بعدما حظرت الصين، المشتري الأكبر للخردة الغربية، استيراد جميع النفايات تقريبا لأسباب 
بيئية.
غير أنه تم ضبط بعض الحاويات المرسلة من أميركا تحوي على مخلفات ورقية سامة، الأمر الذي جعل السلطات الأندونيسية تطلب إرجاع 127 حاوية كانت قد اشترتها معامل الورق الأندونيسية، لتنخفض بأثر ذلك صادرات النفايات الورقية الأميركية من 53 ألف طن شباط 2019 الى 1200 طن شهر آب الماضي، وهي الكمية الأدنى خلال 15 سنة. وبحسب المسؤولين، تعمل الحكومة الاندونيسية على إصدار أنظمة تمنع بموجبها دخول مثل تلك القمامة الى البلاد مستقبلا.
هذا الحال سيؤثر حتما على بانغون، لكن السكان طالبوا السلطات بالترخيص لهم بالاستمرار في أعمالهم بقطاع القمامة، فبمقدور القليل منهم العودة الى الزراعة، إذ بيعت الأرض لتوظيف المال في تجارة الخردة، أو غطت قطع البلاستك المساحات الواسعة من الأرض.
 
صحيفة لوس انجليس تايمز الأميركية