موسوعة وأُبوة ثقافية وتراثية

الأحد 15 كانون أول 2019 121

 موسوعة وأُبوة ثقافية وتراثية
جاسم عاصي
 
 
من منّا لا يذكر الباحث والموسوعي في الأدب والتراث والثقافة الشعبية وأدبها (محمود العبطة المحامي) .
 فقد كان  معطاء في كتاباته ،وواهباً لها لما حوله من مختلف الأجيال . فقد عرفته  أباً ومعلماً ومرشداً لي ولزملائي في مقتبل شبابنا ، ولم يبخل علينا في ملاحظاته يوماً .
 يختار لنا العناوين للكتب التي نشتريها ،ويرشدنا إلى المكتبة التي تبيعها ، ويؤكد لنا نحن النخبة من الشباب ( حسين محمد سعيد ،حسين السلمان ، صالح البدري ، عبد الجبار العبودي ، مهدي السماوي) الذين يتحلقون حول مجلسه في مقهى (عرف آغا) في
 شارع الرشيد.
 يهلُّ بنا ويرحب ، ويُضيفنا . وكعادته يسأل وهو يتربع على الأريكة المفروشة بالسجاد في المقهى ، عن شرائنا للكتب وقراءاتنا، فنحن من يأتي من المحافظات لزيارة بغداد في العطل الرسمية . يسأل عن كتاباتنا ، ويستمع
 إلى بعضها . 
ويرسل لنا ما يُنشر لنا من قصص ومقالات، مذيلاً إياها بملاحظاته القيّمة . وأذكر أن حادثة دارت في الوسط الثقافي ، دفعته إلى اصدار مجلته الدورية
(القافلة) .
 أرسل بطلب نتاجاتنا ،لتكون مادة العدد ، الذي دفعه إلى اصداره ما كتبه الدكتور(يوسف عزالدين)عن الشاعر
(الرصافي) . وقد احتل المقال الحاد اللهجة ، المدعم بالحقائق زهاء ثلاثين صفحة ،دفاعاً عن الشاعر .لقد كانت اهتماماته في الكتابة متنوعة ، فهو مؤرخ للأدب ، ناقداً له. 
ومستلهماً بلاغة الثقافة الشعبية . وله كتاب تحت عنوان(بدر شاكر السياب والشعر العراقي الحديث) كان يجمع في محتواه بين النقد والدفاع عن أولوية من كتب شعر التفعيلة.  فقد وجدناه منصفاً للسياب كما هو لنازك
 الملائكة .  بمعنى أنه كان موضوعياً في تحليله وذكر الشواهد التي تُدعم وجهات نظره . ويُعد الكتاب مصدراً نقدياً بحثياً ، كما هو كتاب (محمد النويهي) عن
 شعر السياب .  ويوم أصدر الأديب(حسين محمد سعيد) مجلته المكتوبة بخط الأدباء المشاركين ، ومنهم (صالح البدري، حسين السلمان، عودة عبد النبي) الذي كان يعمل في محل(جقمقجي) للأسطوانات الكائن في نهاية
 شارع الرشيد .
 وكانت الشلة تلتقي في المقاهي( الخيام،عارف آغا، ومقهى في ساحة الرصافي ) . الكل يستمع إلى توجيهات العبطة  ويسترشد بها ،لأنها صادرة عن أُبوة فائضة 
أذكر حين اغتيل الأديب الكردي(حسين محمد سعيد)طلب الأديب (فاضل الربيعي ) أن نعمل سوية لا صدار ملف عنه في صحيفة (الفكر الجديد)
 الأُسبوعية .
 وقد كلفني بلقاء الأديب( العبطة ) ومفاتحته للمشاركة في الملف . ومع أني فارقته زمناً تجاوز العشرسنين ، لكن بعد السؤال ،قيل لي أن مكتبه في جانب الكرخ قرب مركز الشرطة. وفعلاً ذهبت إلى مكتبه كمحام ، وكانت منطقته ضيقة ، وسلم شقته طويلاً ، والإنارة خافتة والبناية قديمة جداً. لهثت حتى وصلت . كان باب مكتبه مفتوحاً .دخلت
 وسلّمت علية . 
وجلست . ولا أدري وقتها لِمَ ترك المكتب وجلس بالقرب مني؟ . 
فظننت أنه  قد عرفني ، غير أنه سألني كزبون: تفضل ما هي قضيتك . فصمت ولم يظهر عليّ الاستغراب . أجبته :أني ضيعت أباً في زحمة الحياة ، وجئت أسأل عنه في مكتبكم ،فأنت العارف به .
 ومن نبرة صوتي احتضني قائلاً : ولك جاسم .. كبرت وزحف الشيب إلى شاربيك؟! . 
سألني دفعة واحدة : هل تزوجت ؟ قلت : نعم . قال هل أنجبت زوجتك أولاداً ؟ قلت نعم.. أثنين.  قال أيضاً: بالتأكيد أسماؤهم فلسطينية؟ قلت: انهما سميح وغسان . قال : والله أنت أصيل
 منذ شبابك.  وبكى حين ذكرت سبب مجيئي ووعدني بالكتابة . وفعلاً شارك بتميّز 
كان رحمه الله يرسل لي كل ما يصدره من كراريس تخص التراث الفكري مثل(ابن خلدون ، الفارابي ) وغيرهم . وهي كراريس تحتوي على مقالات ودراسات . وبسبب عدم مقدرته المالية لجمعها في كتاب، يلجأ إلى استنساخها على شكل كتيبات بملزمة أو أكثر ، يحفظها لدى أصدقائه وتلاميذه من أمثالنا . 
رحم الله الباحث القدير(محمود العبطة المحامي) ، وكم تمنيت أن يُصار إلى احياء ذكره  عبر الأزمنة ، وتمثيل شخصه بنصب في مدينته ،تُحيي ذكره كصديقه الرصافي ، وبدرشاكر السياب ، والجواهري ،
 وهذا أضعف الإيمان !