الرجال يبدعون بامتياز في مهن نسائيَّة

الاثنين 30 كانون أول 2019 630

الرجال يبدعون بامتياز في مهن نسائيَّة

بغداد/ فجر محمد

يمسك الشاب العشريني فرشاة الشعر باحترافية عالية في احد مراكز التجميل النسائية  ويقوم بعمل تسريحات مختلفة للزبونات الموجودات في المركز المقسم الى جزأين، احدهما تعمل فيه نساء فقط، بينما الاخر يتجمع فيه العاملون من كلا الجنسين.

 
العشرينية نيران وليد تفضل ان يعتني بشعرها وبشرتها ذلك الفتى، لانه على حد قولها يتقن عمله جيداً وتقول نيران:"انا ارتاد هذا المركز منذ فترة طويلة، وفي مرات كثيرة كانت تقوم احدى الفتيات بعمل التسريحة والمكياج لي، لكني لم اكن اقتنع اذ وجدتهما لا يلائمان بشرتي، وبعد ذلك اطلعت على عمل هذا الشاب، فوجدت فيه الكثير من الفن والاحتراف".
وتقول الاربعينية جنان مرتضى انها تعتزم فتح مركز للتجميل في احدى مناطق بغداد، وتضيف:
"من خلال اطلاعي على عمل مراكز وصالونات الحلاقة والتجميل اصبحت شبه متأكدة من ان الرجال يتمتعون بلمسات فنية ورؤى تختلف عن النساء العاملات في الحقل ذاته، ولذلك فهم قادرون على اكتشاف مواطن الجمال لدى المرأة بسهولة ودون عناء، وهذا يفسر نجاح العديد منهم في هذه المجالات، لذلك سأعمل على اشراك عدد منهم في مركزي المرتقب افتتاحه عما قريب".
الباحثة بالشؤون النفسية والاجتماعية والاكاديمية الدكتورة ناز بدر خان السندي اشارت الى ان هناك الكثير من الرجال يبدعون ويتقنون الاعمال، لا سيما تلك المتعلقة بالفن والجمال، ولذلك تفضلهم النساء، ويرى المختصون النفسيون ان تفضيل الرجال للمهن النسائية  نابع من حبهم الشديد لإظهار الجمال والتفنن به، فضلاً عن متابعة التطور والحداثة والتعرف على الثقافات الاخرى التي منحت فرص عمل متعددة للرجال والنساء بشكل متساو.
وتبين تقارير كثيرة واحصائيات متعددة ان الكثير من الشباب اتجهوا الى المهن التي تتسم بالفن والذوق رغبة منهم باقتحام هذا العالم الذي كان فيما مضى مقتصراً على النساء، خصوصاً مهنة الحلاقة التي تعد قديمة جداً، فقد عثر على ادوات حلاقة بين بقايا العصر البرونزي تشير الى ذلك، واقتحم الرجل كذلك المطبخ واتقن صنع الاكلات والاطعمة المختلفة، اذ اصبحت مواقع التواصل الاجتماعي تعج بالكثير من الطهاة من مختلف العالم ويحظون بالمتابعة والاهتمام من قبل النساء، وايضاً يوجد الكثير من مصممي الازياء المحترفين الذين يتقنون تصميم ملابس النساء ويبرعون بها بشكل كبير جداً.
 
حب المهنة
وبينما  يمسك الشاب العشريني بإحدى فرش المكياج ويتهيأ لوضع لمساته على وجه زبونته، يقول بصوت يتسم بالخجل قليلاً:"بدأ شغفي بالتجميل والمكياج منذ مراهقتي، اذ كنت احب الرسم كثيراً واللعب بالألوان، واحياناً كنت اجعل من اخواتي الصغيرات حقل اختبار، فتارة الون شفاه احداهن، أو اضع ما يعرف بظلال العين للأخرى، واستمتعت كثيراً وانا العب دور الرسام الذي يضع لمساته على وجوه شقيقاته، وبعد تخرجي من الجامعة ولأنني لم اجد عملاً يتناسب مع اختصاصي العلمي، قررت خوض التجربة واقتحام عالم التجميل وبغضون اشهر قليلة اثبت براعتي في هذا المجال".
السندي تبين ان العولمة والانفتاح اللذين شهدتهما البلاد فتحا الآفاق امام الشباب لإظهار مواهبهم الفريدة التي قد تكون قبل وقت سابق مدعاة للخجل لكونها تتعارض مع العادات والتقاليد الموجودة آنذاك، اما اليوم فلم تعد هناك حواجز او موانع معينة تقف بوجه الشاب واختياره اي مهنة 
كانت.
 
فن الطبخ
وفي مكان آخر يمسك الثلاثيني سمير رافد ادوات المطبخ من اوان وملاعق وسكاكين وكأنه عازف اوركسترا يتهيأ لحفله المرتقب، اذ يتعامل مع الادوات بحب وحرفية عالية ويقول سمير:
"تعلمت مهنة الطبخ والاعتناء بالطعام من والدتي التي كانت بارعة في اعداد المأكولات والحلويات وتقديمها بطريقة خلابة، فقد كانت تختار الاواني ذات الالوان الزهرية والمبهجة التي تضفي جواً ساحراً على المائدة، ولأنني كنت قريباً منها لذلك احببت العمل في المطبخ واعداد الطعام وبدأت اضيف لمساتي المختلفة على ما اقوم باعداده، ولا اجد حرجاً من مهنتي هذه التي احاول تطويرها باستمرار عبر الاطلاع على ما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية والبرامج التي يشرف على اعدادها وتقديمها طباخون ماهرون من مختلف انحاء العالم.
وتوضح السندي ان هناك الكثير من الطباخين الماهرين الذين اتقنوا هذه المهنة ببراعة وسهولة وبمقدور الرجال والنساء ان يتقاسموا العديد من المهن، لكن في الوقت نفسه هناك وظائف تتطلب القوة الجسدية والجهد لا يمكن ان تقوم بها النساء بالتأكيد، وتظهر الدراسات المتعددة التي اجريت على طبيعة المجتمع ان هناك متغيرات وتطورات اصبح يعيشها الافراد دون ان يشعروا بوجودها، اذ ان الدراسات المقارنة اظهرت ان المجتمعات تتعرض الى الكثير من الظروف التي تؤدي الى تغيرها بشكل كبير، اذ بدأت ظواهر التمدن والحضارة تتجلى في العديد من المجالات وهذا افسح المجال لأفراد المجتمع بالتفكير بشكل مختلف بعيداً عن القوالب النمطية والعادات والتقاليد البالية.
ويرى الباحث بالشؤون الاقتصادية ليث علي ان اي عمل خاضع لشروط سوق العمل ومنها العرض والطلب، وهناك الكثير من الشباب الذين يحاولون انتهاز الفرص والتخلص من البطالة، ومع ذلك فهذا ليس السبب الوحيد الذي يدفع الشباب الى مهن تتسم بالطابع النسائي بل وجود المتغيرات المجتمعية والعالمية والرغبة بتقليد ومحاكاة المجتمعات الغربية، ومن المعروف ان اغلب مصممي الازياء في العالم هم من الرجال وعلى وجه الخصوص يختص الرجال في اوروبا واميركا بخياطة ملابس النساء ، وتبدو لمساتهم الفنية واضحة للعيان .
 
أسواق اقتصاديَّة
و تشير الدراسات والبحوث الاكاديمية الى ان اي سوق عمل هي افتراضية، كما أنّها نوع من أنواع الأسواق الاقتصاديّة، ويجتمع فيها كل من الأشخاص الذين يبحثون عن وظائف مناسبة بالإضافة إلى أصحاب هذه الوظائف من أصحاب الشركات والمؤسسات المختلفة، وتعد هذه السوق حلقة وصل بين كل الأشخاص المرتبطين ارتباطاً مباشراً بالعمل، وتتكون السوق من العرض بحيث يقصد به القوى العاملة من أيدٍ وموظفين مؤهلين، وتتمثل بالشريحة السكانية النشطة والمستعدة والقادرة على العمل، اما الطلب فيقصد به الجهات والمؤسسات والشركات والأطراف التي تحتاج إلى الأيدي العاملة.
كانت ماكنة الخياطة وادواتها من خيوط وابر صغيرة وكبيرة تتوسط احدى غرف المنزل، وتتذكر الثلاثينية منتهى كامل تلك اللحظات بوجه مبتسم وتقول:"في طفولتي كنت اصر على دخول غرفة عمي الاكبر بمنزل جدي كي امعن النظر بماكنته الكبيرة التي يستعملها بشكل مستمر ليخيط اجمل الفساتين النسائية لحفلات الزفاف والسهرات المختلفة، وكان شغف الخياطة يلمع في عيني عمي وهو يقوم بعمله، وبعد ان ينجز الاعمال المكلف بها كان يشعر بالفخر والزهو فهو من الخياطين الماهرين في مجال عمله، اذ كان يستقطب الكثير من الزبائن للمسته الفنية وسرعته في العمل والاتقان والدقة في خياطة الملابس النسائية، ولعمي العديد من الاصدقاء الذين يشاطرونه ذات الاهتمامات الفنية ويخيطون الفساتين التي تتطلب منهم جهداً كبيراً وعملاً طويلاً، وعلى الرغم من صعوبة الامر الا ان عمي لم يكن يتذمر او يشعر بالتعب، لانه يحب مهنته ويرغب بتطويرها دائماً.