عين الدم والمتون المهملة

السبت 04 كانون ثاني 2020 289

عين الدم والمتون المهملة
حميد حسن جعفر 
 
يبدو أنَّ الفزع قد لا يشكل الكثير من المشاريع المنتجة لإشكالات الحياة، الفزع من الموت/ الفراق، الفزع من الحروب/  القتل، الفزع من السلطة/ الإلغاء، - "عين الدم" للشاعر حسن عبد راضي، جغرافية تتحرك حول هكذا مفروزات، قد لا يشعر القارئ بقوة الحروب والإلغاء أو الفراق، والشاعر يحاول أنْ يدفع بمنتجات كهذه إلى المنطقة المضببة، لكي لا تتحول مدونته الشعريَّة إلى دعوة للتراجع، بدلاً من أنْ تكون منصة للمغامرة، ولأنَّ الشعر هو المغامرة بحد ذاتها فما على القارئ سوى أنْ يكتشف الشاعر الموجود داخل القصيدة.
في "عين الدم" قد لا يعثر القارئ على مقاتل أو محارب ولكنه سيجد إنساناً مستعداً للكشف عن سوءة الآخر/ الحروب، الآخر/ السلطات السوداء، قد يجد القارئ نفسه متلبساً بإحدى شخصيات النصوص، قد يجد من يماثله بالبحث عن المتعة، / متعة الاكتشاف، ولأنَّ "عين الدم" كائنات غير
مبصرة. 
فقد استطاع أنْ يضع بين يدي القارئ المفتاح السري لكشف مغاليق الكثير من القصائد، وذلك عندما استطاع أنْ يمنحه حالة إبصار بعيداً عن الظن، عبر عبارة الشاعر الفرنسي الأكثر تفرداً ومغادرة "رامبو" (وأبصرت في بعض الأحايين ما ظن الإنسان قد رآه) هذا الأبصار/ اليقين، يقين الشاعر الذي لا يمكن أنْ يتوفر
 دائماً. 
الشاعر هنا يشتغل على الابصار/ الرؤيا، العين الداخلية، / الحدس/ الظن، وعلى الابصار/ الحقيقة، والظن/ - اللا حقيقة، إذاً على القارئ أنْ يستحضر، أنْ يتلصص على "أحايين رامبو"، لكي يتمكن من الإمساك بالابصار، ولأنَّ الشاعر الثمانيني حمل صليباً علانية على كتفيه عندما حاولت سلطة الحروب أنْ تحوله إلى صامولة في الآلة الحربية مرة، أو أنْ يكون مدافعاً عن أخطائها مرة ثانية. 
وأنْ يكون ملمعاً لحذاء القائد أو مجملاً لقباحاته ثالثاً وعاشراً، إلا أنَّ معظم الثمانينيين استطاع أنْ يتشكل وفق مفهوم الشعر لا وفق مفهوم السلطة/ الحرب، ولكي يتحول إلى كائن شعري يقف خارج بيت الطاعة، ومن أجل أنْ يتخلى/ يبتعد عن طموحات العسكر، في تحويل المثقف إلى مرتزق، والقلم إلى بندقية، وذلك عبر التخلي والابتعاد عن قصيدة المعارك، عبر البحث عن قصيدة النثر مرة، والقصيدة اليوميَّة مرة أخرى، أو عبر تحويل اللغة إلى نص شعري، وليجد مهندسو ومنظرو الحروب أنَّ "الجيل الثمانيني" لم يعد يعنيها، إضافة إلى توقف مسلسل الحروب الخارجيَّة، وليجد النظام نفسه بمواجهة الحصارات والمقاطعات، "الثمانينيون" أغلبهم كان يبحث عن المختلف، عن المغايرة، ورغم أنَّ الحروب والمنافي ألقت بظلالها على النص الشعري الثمانيني، إلا أنَّ هؤلاء الشعراء استطاعوا أنْ يقودوا هذه الحروب إلى مفاصل لإدانة السلطة
 ذاتها. 
لقد كانت القصيدة اليومية، --رغم كونه مشروعاً سبعينياً-- وقصيدة النثر، وقصيدة الموضة/ الشذرة، منجزات اجترحتها الموجة الثمانينيَّة، لتشكل بالتالي العديد من الخروقات والإزاحات، من أجل الابتعاد عن قصيدة الحرب/ القصيدة المنبريَّة، والتي كانت تتمتع بإشكاليات الأدلجة وفكر السلطة، القصيدة المنتمية للتوجيه المعنوي، --حسن عبد راضي -- كان أحد هؤلاء الشعراء، لذلك سوف يجد القارئ أنَّ خصيصة القصيدة الثمانينيَّة تشكل معظم المنتج الإبداعي الشعري لـ"عين الدم"، إذ يكون الوقوف في الجانب الآخر/ الرافض للجانب السائد آنذاك، حيث الحس الجمعي الذي كان يقود المجتمع العراقي آنذاك إلى المسلخ، حيث صناعة الحروب، وتدمير الآخر/ الإنسان اللا مقاتل، حيث الحس الفحولي الذي يقود العملية الثقافية المستندة على إحساس يؤكد على ضرورة صناعة الانتصارات
 "اللذة".
وايضا إنَّ أسى الحياة، الإحساس بالخسارة، وليس الهزيمة يشكل فحوى القصيدة لدى الشاعر، وكثيراً ما يتحول إلى دفقات من السخرية، من الإحساس بتفاهة الممارسات الحياتيَّة للآخر/ الخصم، لتقوم عبرها "الكوميديا السوداء" حيث شعار "شر البلية ما يضحك" قصيدة "طريبيل"/ نص مغلق ص81 "من الممكن أنْ تشكل ملمحاً مهماً من ملامح التجربة الشعريَّة لدى حسن عبد راضي، حيث يتحول الموت إلى كائن يفيض على الآخرين بمفروزاته، حيث يتحول إلى سلطة جغرافية
 قامعة. 
الموت في نصوص "عين الدم" كائن متحول، وحيث تتحول خارطة الحياة إلى كائن خرافي يأكل أبناءه/ بشهية، في هذا النص والذي يمنحه الشاعر صفة "نص مغلق" لإحساسه بالسوداويَّة التي من الممكن أنْ تنتجها هكذا جغرافيات مغلقة وإنْ كانت تمثل انفتاحاً هائلاً على العالم، إنها الجغرافيات المناهضة
 للحياة.
إنَّ الجغرافيات المعادية قادرة وبشكل لا يجارى على تدمير الكائن البشري، وتحويله إلى حشد من الممسوخات، قد يكون الموت أو الجنون أبسط هذه المفروزات وأكثرها قرباً من تكوينات الإنسان/ القارئ، في هذا النص الذي لا يشبه سوى "سرير بروكتس" يشتغل الشاعر على صناعة المدينة/ الكابوس/ الدستوبيا، حيث المزاوجة ما بين المادي والروحي، ما بين الواقع و اللا واقع، رغم أنَّ الكثير من الشعراء يعملون على صناعة المدينة الحلم/ اليوتوبيا، مدينة اللا مكان، ورغم أنَّ المدينتين تشتغلان على صناعة الفنطازيا --على تطرف المخيلة، إلا أنَّ النظرة السوداويَّة التي اعتمدها الشاعر في بناء "طريبيل" تكاد تشكل حالة تفرد. 
إذ إنَّ الكتابة في المناطق المغلقة وفي الحقول اللامركزية، والتي قد تشكل حالة غياب تام عن حركة الأفراد والجماعات، ومن وجود/ توفر حالة انعدام المعرفة بخصائص غياب كهذا فإنَّ العديد (الكثير من الشعراء) ومن أجل التخلص من هموم وإشكالات الكتابة المختلفة، يلجأ إلى الكتابة المفتوحة/ عما يحيط بهم من تقلبات الحياة المتداولة، لتظل المغامرة الكتابيَّة من حصة الشاعر المختلف، الحياة في "طريبيل" حياة ضاجة رغم عدم وقوعها تحت سلطة البصر إنها تشتغل/ تصنع إفرازاتها في الخفاء. 
حيث تتشكل في أقصى مديات الصورة، حيث يكون الجحيم، هو من أهم المهيمنات التي تفرزها الحدود المشرفة على جغرافية الآخر، والذي قد يشكل لحظة تكوين جغرافية المدينة/ الحلم، قصيدة النثر لدى حسن عبد راضي "طريبيل" خاصة قصيدة فعل ومعرفة، قصيدة قصد وتفرد، قصيدة بحث وكشف وتعرية، قصيدة اختلاف، ومن حق القارئ أنْ يتساءل وضمن حالة من الرعب كيف استطاع حسن عبد راضي أنْ يوفر هذا الكم من الخوف، من مفروزات الجحيم العراقي، لكي يتمكن بالتالي من كتابة هكذا جغرافية/ رمال متحركة، فم هائل قادر على ابتلاع كل
 شيء.