محلة السنك .. تراثٌ بغداديٌّ يروي تاريخ مدينة

الاثنين 13 كانون ثاني 2020 429

محلة السنك .. تراثٌ بغداديٌّ يروي تاريخ مدينة
بغداد / بشير خزعل 
 
لم يكن في بال الجنرال (مود) الذي دخل بغداد في شهر آذار من العام 1917 ان تكون محلة السنك مقراً لقيادة القوات البريطانية في العراق ، لكن بعد مشاورة مع اركان قيادته، اتفقوا على ان هذه المحلة تتوسط بغداد وتتكئ على ضفة نهر دجلة الذي كانت تجوبه بواخر الانكليز ذهاباً واياباً .
" Flies" الاسم الذي اطلقه عليها بعض افراد الجيش البريطاني كترجمة انكليزية عن اصل الكلمة التركية (سنك) والتي تعني الذباب، تقع في جوارها محلات المربعة والخلاني ورأس الساقية  وباب الشيخ وشارع الرشيد،  اما طرازها المعماري من بيوتات وشناشيل ومقاهٍ، فقد ابهر الانكليز ليقرروا ان تكون سفارتهم في هذه المحلة . اسم المحلة عثماني كما يوثق المؤرخون ويعني ( الذباب)  وسبب تسميتها هو انها كانت في الاصل مزرعة بصل وانواع اخرى من الخضراوات التي تستخدم السماد الحيواني وهو سبب كثرة الذباب في تلك المساحات المزروعة ، لكن تلك الاراضي اهملت وتحولت الى بيوت ودرابين بعد مجيء العثمانيين الى بغداد ( 1532- 1918 م)  . 
 
   تراث مهمل
اغلب البيوتات والازقة التراثية مهملة في منطقة السنك والمناطق الاخرى المجاورة لها ، وتعرض الكثير منها الى اعادة الترميم بطرق غير مدروسة ، كما ان ابنية كثيرة هدمت وبنيت بدلها عمارات تجارية غيرت معالم المحلة بشكل نهائي . 
أهل المحلة 
في العودة الى تاريخ محلة السنك تحدث بعض اهالي المنطقة عن اصل وجود المحلة وكيف كانت ، يقول حامد رزوقي الالوسي (71)  سنة :  انا مولود في هذه المحلة وعشت فيها فترة طفولتي وصباي وشبابي ومازلت اذكر أن قسماً من اراضي هذه المحلة كانت تدخل ضمن منطقة باب الازج (باب الشيخ)  و تدخل ضمن اوقاف الشيخ عبد القادر الكيلاني ثم بنيت فيها  بيوت متفرقة  تحولت الى محلات سكنية وسكنتها اسر مختلفة منذ بداية القرن العشرين ، وكان من ضمن ساكنيها قارئ المقام العراقي  محمد الكبنجي وولداه قاسم وصبحي وكذلك الملا ياس الشيخلي ، واضاف رزوقي :  روى إليَّ والدي ان محلة السنك كانت مشهورة بكثرة البساتين، منها بستان محمد بن جواد اوده باشي  وبستان جنينة العائد الى ورثة محمد علي خان النواب ،وتحول بعد ذلك الى دائرة للتلغراف (عمارة الاتصالات السلكية في ما بعد) وبستان زهو بنت حسين بن علو ، ومن معالمها جامع ينسب الى شخص اسمه عبد الفتاح وفيها ثمانية (عكود ) أي دروب هي عكد الطاق الاظلم وعكد الشطية وعكد الراعي وعكد السادة وعكد القصاصير وعكد الدباخانة وعكد الشريعة وعكد الباب الشرقي.
واكثر هذه الدروب اصبحت داخلة في مقتربات جسر السنك الذي اقيم مطلع الثمانينيات ومن معالمها ايضاً عكد الخناق المسمى قديماً عكد بورانة ،وقد دخل  في ارض عمارة الاتصالات السلكية في شارع الرشيد ، والقصر الذي انشأه السيد عبد الرحمن الكيلاني على شاطئ دجلة قرب مآخذ الساقية التي كانت تأخذ الماء الى جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني ، وهو قريب من قبر ابن الجوزي، حيث كانت تقع مدرسة السيدة (بنفشا ) وقد جدد ومازال قائماً .
 
    شارع خليل باشا
الباحث في الشؤون التراثية حسن المحنى بين ان شارع خليل باشا (الرشيد) حالياً الذي افتتح في العام  (1910 – 1916)  مر باشكالية كبيرة في ذلك الوقت وهي وجود محلة السنك في منتصف الشارع او ( الجادة ) كما يسميها العثمانيون والتي كانت تقع فيها دار القنصلية البريطانية ، وكانت البناية تمتد الى بداية الشارع العام وقسم منها في دائرة البرق المركزية، فامتد الشارع الى سور القنصلية وتوقف العمل فيه اذ اعترضت الحكومة البريطانية على  أن يهدم قسم من قنصليتها في بغداد وعليه اصر خليل باشا على هدمها وكادت أن تحدث أزمة ولكن بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى اهمل المشروع، واضاف المحنى : بعد ذلك اخترق شارع الرشيد المحلة فقسمها الى قسمين وقد ازال دوراً عديدة والغى أزقة ودرابين، ثم جاء انشاء الجسر عام 1984 ليخترقها من جديد ويغير من خريطتها بشكل كبير جداً . ولفت المحنى الى ان الباحث الدكتور عماد عبد السلام رؤوف صاحب كتاب " الاصول التاريخية لمحلات بغداد" قد تحدث عن محلة السنك بانها على شاطئ دجلة وتحيط بها من الجهات الاخرى محلات المربعة ورأس الساقية وباب الشيخ ، وكان قسم منها تابعاً في العصر العباسي لمحلة باب الازج والقسم الاكبر الجنوبي منها يسمى (باب البصلية) نسبة الى باب بغداد الجنوبي والمسمى بباب كلواذي (باب الشرقي) اما الجزء الشاطئي منها يعرف بمحلة (باب المراتب) نسبة الى الباب الجنوبي لدار الخلافة العباسية المسمى بهذا الاسم. 
و كانت من احسن محلات بغداد طوال القرن الخامس الهجري ، اجتمعت فيها دور القادة والوزراء والادباء ،وكانت فيها ايضاً خزائن الغلال ثم اصابها الخراب في بدايات القرن السابع للهجرة ، حتى باع اهلها انقاضها وساحاتها ، وبدت المحلة في طرف البلد كالمهجورة ولم يبق فيه الا دور قوم من اهل البيوتات القديمة ومن الدور المهمة التي كانت فيها دار الوزير نظام الدين ابي نصر المظفر وزير الخليفة المقتفي بامر الله.   
ويضيف الدكتور رؤوف :ان هذه المحلة عرفت في العصر العثماني بالسنك ،وهي كلمة تركية معناها الذباب ، وسبب ذلك يعود الى ان اكثر اراضي هذه المحله كان يزرع بانواع الخضر المسمدة بالسماد الحيواني الذي يكون سبباً في كثرة الذباب هناك. وتردد اسمها في غير مرة في سجلات المحكمة الشرعية ببغداد منذ القرن التاسع عشر.
 
 مراقد
  يختلف جامع الخلاني عن غيره من جوامع بغداد  بأن قبته أعلى من منارته ، ولم يعرف سبب هذا الاختلاف اذا كان مقصوداً او نتيجة خطأ غير مقصود بعد اعمال التجديد التي طالت هذا الجامع ، وهو للشيخ محمد بن عثمان بن سعيد العمري المعروف بالخلاني وقد عُرف بهذا اللقب لبيعه "الخل" في بغداد وهو سفير أو نائب الإمام الثاني عشر المهدي (المنتظر) ، وله القاب يعرفها اهل المحلة القدماء منها  "الباز أبو صالح" . وكذلك يقع على مقربة من محلة السنك جامع الشيخ عبدالقادر الكيلاني، ما يشير الى التنوع المذهبي لاهل المحلة منذ مئات 
السنين.
 
      مصادر
تشير المصادر التاريخية الى أن قسماً من أراضي محلة السنك  كانت في العصر العباسي تدخل ضمن منطقة باب الازج (باب الشيخ)، حيث ان تلك الأراضي الزراعية تدخل ضمن أوقاف الشيخ عبد القادر الكيلاني (1077 – 1166 ) ثم تحولت فيما بعد الى محلات سكنية بعد أن بنيت فيها الدور وسكنتها أسر مختلفة منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، حيث تمت الاشارة الى (سوق السنك) في وقفية سيدة اسمها خديجة سنة 1820 إذ تؤكد المصادر التاريخية أن السوق دلالة على بداية انتشار العمران في هذه الأرض الزراعية، وقد كانت بغداد محصورة بين الباب المعظم وهذه المحلة، حيث تنتهي حدود المدينة عندها وبالضبط في قصر الحاج ياسين الخضيري (الذي اتخذ فيما بعد دائرة عقارات الدولة)، وقد تم ذكر اسم (السنك) كونه رسمياً في سجلات عام 1921، بينما يذكر أن عدد نفوس محلة السنك سنة 1917 حسب دفاتر المختارين هو (748) نسمة ، وقبل هذا كان اسمها محلة (الشط)، وربما هي تسمية تعود الى العصر العباسي.
 
     واقع حال 
 احد ابناء المحلة ممن توارثوا مهنة النجارة منذ اكثر من 85 سنة مضت اشار الى وجود عدد قليل جداً من الاسر القديمة الباقية في المحلة، اذ يقول كمال سرسم العزاوي (75) سنة : والدي عاش في المحلة منذ ايام الاحتلال البريطاني ثم العهد الملكي وكان شاباً يافعاً ، ثم انتقلنا الى جانب الكرخ في الجهة المقابلة لمحلة السنك ورجعنا اليها بعد 4 سنوات ، وفي سنوات الستينيات والسبعينيات وحتى بداية الثمانينيات كانت محلة السنك من اجمل المناطق الشعبية في بغداد  وتزخر بأسر اصيلة من ساكنيها ، لكن الاهمال المتعاقب من قبل الحكومات المختلفة خرب معالم المحلة وافقدها خصوصيتها التراثية التي كانت ومازالت تحفظ شواهد كثيرة .