من وليم فوكنر الى طه حامد الشبيب

الأحد 19 كانون ثاني 2020 141

من وليم فوكنر الى طه حامد الشبيب

سعيد الروضان

 
 
تستهل الرواية مسيرتها بتداعي البطلة البيضاء لينا كروف وهي تحمل جنينها في بطنها, إنها تحدث نفسها (جئت من ألاباما : مسافة طويلة . الطريق كله من ألاباما مشياً . مسافة طويلة.) فكرت رغم إني لم أمض في الطريق بعد إلا قرابة الشهر فإني في ميسسيبي الآن, بعيدة عن دياري بمسافة أبعد مما ذهبت اليه طول حياتي
أنا الآن بعيدة عن المنشرة التي يملكها دون (الرجل الذي وعد أن يرسل عليها بعد أن حملت منه واسمه لوكاس بيرج وهو في الواقع لا يمتلك المنشرة . الكاتب) بمسافة  لم أبلغها من قبل منذ أن كنت في الثانية عشرة). (13).
 القطار يمكن إيقافه براية حمراء، لكن الأمر المعتاد هو أن القطار يظهر بين التلال المخربة بفجاءة الشبح ويعول عويل السعلاة التي تنذر الناس بالموت، ماراً عبر القصبة الأصغر حجماً من قرية فكأنها خرزة منسية سقطت من خيط مقطوع .”(14) الصورة التشخيصية  Personificationتظهر بوضوح استعارة صفات الإنسان الى الحيوان أو الجماد، فالقطار ينذر ويعول، والراية الحمراء تعود الى تأثيرات فرويد ويونغ وهي تمثل فيض دماء ولادة ليناكروف المحتملة، والخرزة تمثل الضعة والصغر لهذه القصبة النائية . «حين دخلت ليناكروف من الباب الذي خلفه، وجهها مكيف سلفاً لابتسامة التوقع والانتظار الصافية، وفمها مكيف سلفاً للتفوه باسم معين. سمعها واستدار فرأى ملامح وجهها تتلاشى كالجيشان المتلاشي لحصاة صغيرة تلقى في ينبوع “(15) صورة تحليلية لشخصية البطلة التي يصحبها سائق العربة الى بيته فتقابلها زوجته بإهمال لا حدود له. التناقض الواضح بين المتوقع والواقع يظهر في وجهها المكيف لابتسامة وفمها المكيف للتفوه وبين ملامح وجهها التي تتلاشى مثل تلاشي حصاة صغير في قاع ينبوع، استخدام التشبيه أعطى الموضوع حيوية والتركيز على الحصاة الصغيرة يمثل مقاربة للبطلة التي تلاشت ملامحها نتيجة الإهمال.  
لم يتم تناول موضوع الصورة في الرواية إلّا على يد العالم الألسني والأسلوبي  الهنغاري المولد والبريطاني الجنسية ستيفن أولمانSteven Ullman 1914-1974   الذي أمضى سنوات عمره في بريطانيا وكتب في الأسلوب والدلالات، وبقي في الظل بعيداً عن الدارسين والنقاد في جميع أنحاء العالم، وفي رأي لمقدمه محمد أنقار في بداية كتابه فائق الأهمية “الصورة في الرواية الفرنسية الحديثة” المكتوب باللغة الانجليزية” إن الاتجاه البنيوي في فرنسا خسر الكثير عندما لم يقدم على ترجمة كتب بلاغية يراها أساسية في سياق النقد الروائي، صنعة الرواية لبيرسي لوبوك The Craft of fiction/ by Percy Lubbock, وكتاب بلاغة الرواية لواين بوث وكتابي الصورة في الرواية الفرنسية الحديثة و الأسلوب في الرواية الفرنسية الحديثة لستيفن أولمان (16). إذاً هو صاحب هذا البحث الأدبي وحامل لواء ريادته، ولعل أطرف ما في هذا التحليل اعتماده الصورة النثرية منطلقاً لفحص النصوص الروائية والكشف عن أبعادها الجمالية ومستوياتها النقدية وسجلاتها السردية (17)، والدليل الواضح هو تخصيصه كتاباً رصينا يتناول هذه الظاهرة النقدية غير المطروقة سلفاً. ومن أجل ذلك وسمنا عمل أولمان بالريادة نظراً لجرأته على اختراق هذا الحاجز العنيد الذي ساد قروناً ووقف سداً منيعاً أمام النقاد وحال بين النظر الى الصورة النثرية من حيث هي نثر(18)، ويؤكد مترجما كتاب أولمان عن اللغة الانجليزية “ الصورة في الرواية الفرنسية الحديثة “محمد مشبال ورضوان العيادي” على أهمية أولمان بقولهما : “ألم يدشن أولمان أول خطوة صريحة لدراسة الصورة في النثر الروائي “؟ (19).
     تناول أولمان في دراسته أعمال أربعة من الروائيين الفرنسيين : أندريه جيد، ألبير كامو، ألان فورنييه و مارسيل بروست، وهذا لم يمنعه عن تناول روائيين آخرين يغني بهم دراسته مؤكداً على موضوعيته وسعة ثقافته الروائية، منطلقاً من أهمية الصورة النثرية في سياقها الروائي ومؤكداً على فعالية الذوق الشخصي للناقد في تناول الصورة النثرية وارتباطها بالخيال، ودعا الى  استخدام الألفاظ الأكثر تعبيراً، موقعها في الجملة وهيئتها وعددها وايقاعها وتناغمها، نعم كل هذا أساسي ويرتبط بـ”الكتابة الجديدة” (ولا قيمة لشيء ما لم يكن طبيعيا) (20)
نماذج من الصور التي أوردها أولمان مستلة من رواية أندريه جيد 
إنه دال أيضاً أن صحيفة جيد “جول رونار” التي سجلت أفكاره وتجاربه بأقل عناية إسلوبية، مفعمة بالصور من كل الأنواع. لنأخذ على سبيل المثال تعليقاته على تلك الصحيفة :” إنها ليست نهراً بل مقطرة، الجملة تخنق الفكرة، إنها تضع العلامة المناسبة لكن دائما بالنقر، إن حديقة جول رونار بحاجة الى السقي “. المقطع الأخير يؤكد موت الصحيفة التي تحتاج الى السقي، أي إعادة ديمومة الحياة إليها، غير أنه يؤكد التصادم والإنهيار عندما يقول: “تخنق الجملة الفكرة “، تعبر هذه الصورة عن التشخيص Personification  أي إعطاء الحيوان (والجماد هنا) صفات إنسانية. هناك الصورة الأكثر تطوراً مثل الصورة التالية المكتوبة اثناء الأزمة الروحية التي مر بها عام 1916: “من أين لي هذا التقلص الغريب للنسق، الذي كان فكري عرضة له في الغالب  ،الذي تركة مزدحماً بالعليق الميت. إن قليلاً من النسغ ويتغطى من جديد هذا الخشب اليابس المخيف بالورق والورد. لكنه ليس يابسا ومخيفا ننذره للنار لتشذ به” وتناول صوراً ذات خاصية ملموسة ومحسوسة:”(21)
هناك من يمتلك شفاهاً أكثر حرارة من صغار العصافير، وهناك صور أكثر تعقيداً مثل الصور التالية (المزدوجة) التي يصور فيها النور مثل سائل :
• «كان الهواء يلمع بنور مشعشع كما لو أن زرقة السماء اصبحت سائلاً ممطراً. حقاً كانت هناك  موجات واضطرابات الضوء، وعلى الزبد شرارات مثل القطرات، حقا ليبدو في هذا الممر الكبير كأن ضوءاً يسيل والرغوة الذهبية ظلت على حافة الأغصان بين جريان الأشعة “.  (22)
الهوامش:
my life with coffee spoons(13 المصدر نفسه ص 23  (14) المصدر نفسه ص25 (15) نفس المصدر ص 72
 (16) الصورة في الرواية الفرنسية الحديثة / ستيفن أولمان
       مقدمة الكاتب ص 20، (17) المصدر نفسه ص 7 تقديم محمد أنقار. (18) المصدر نفسه ص 8 مقدمة محمد أنقار , (19) المصدر نفسه 
(20) الصورة في الرواية  ص 24(21) المصدر نفسه ص)28
(22) المصدر نفسه ص 28