واقعنا الثقافي

الأحد 19 كانون ثاني 2020 235

واقعنا الثقافي
ياسين النصير
هذا عنوان كتاب للشاعر والمترجم نصير فليح، يتحدث فيه عن إشكاليات الواقع الثقافي في العراق، وأعتبره من الكتب التي تلقي الضوء على هذا الواقع من خلال زاوية المفاهيم التي يتعامل بها الوسط الثقافي بدراية أو بدون دراية، والمسألة الجوهرية في تأليف هذا الكتاب، وهو الجزء الأول من مشكلات الواقع الثقافي، أنَّ المفاهيم السائدة في النقد والتأليف والكتابة لم تفهم على حقيقتها، لذلك انبرى المؤلف لتوضيح هذه المهمة التي تشكل المفاتيح التي على كل مثقف وقارئ أنْ يقتنيها كي يكتب أو يترجم أو يتعامل ثقافيًا مع الحياة أو يكون مثقفًا مسؤولًا عما يكتبه ويفكر به، أو أنَّه يساعد القراء على فهم ما يجري وفق بنية مفهوميَّة دقيقة لا تخضع للاجتهادات الفجة، ولا تقف عند مستويات دنيا من الوعي النقدي.
الحقيقة بعد أنْ قرأت معظم ما كتبه الشاعر نصير فليح في كتابه هذا، ومن خلال حواراتنا المستمرة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، شعرت أنَّ هذه المهمة لا تخص القراءة فقط، بل الكتاب أيضًا، ولا تخص القراء والكتاب كذلك، بل تخص عموم الثقافة، وأول ما يجب التنويه عنه، هو غموض بعض المفاهيم المتداولة وتفسيرها بغير ما تنطوي عليه من معنى، أي على القارئ أنْ يفهم أنه أمام جهد نظري ممارساتي، فكتابه هذا ليس مجرد عرض للمفاهيم في الدرجة الدنيا من الوعي بها، بل هو تفسير نقدي لها مسنود بآراء فلاسفة وقواميس وتجارب، بمعنى أنَّ المؤلف لم يرد التفلسف وزيادة الغموض ولا الخوض في أبعاد المفاهيم العميقة من أجل إظهار موهبته في ذلك، بل فرضت الممارسة النقدية عليه أنْ ينهض بمهمة التوازي بين وعينا كقراء وجاجتنا لقاموس مبسط للوعي. كل ما أراده المؤلف أنْ يكون واضحًا حين اعتمد التبسيط الدقيق لمعاني المفاهيم بطريقة تمكن القارئ العادي من فهم معانيها وكيفيَّة تداولها. ونحن على بينة من أنَّ المؤلف يمتلك معرفة غنية بالمحتويات التي طرحها وله تعامل إجرائي شعري وفلسفي وترجمات معها، ولكنه آثر أنْ تكون مفاهيمه ضمن مستوى القراءة الفاهمة، لا القراءة المتلقية العابرة، ومن هنا أيضاً جاءت كل المصطلحات التي دبجها في هذا الكتاب متصلة اتصالًا مباشرًا بحياتنا الثقافية، فهو قد وضع أمام عينيه أننا نتعامل ثقافيًا مع السياسة والمجتمع والحداثة والعمارة والأدب والشعر، ويتطلب هذا التعامل أنْ نكون على بينة منها بدرجة فهمهما ضمن منطق العصر، ولو قيض للثقافة العراقية وللقراء في العراق أنْ يكونوا بمستوى علمي متميز لتعامل مع المفاهيم بطريقة أوسع وأشمل وأكثر غموضاً وبحثاً.ما يتيح للقارئ العادي في هذه المرحلة أنْ يكون وعيه خارج الأطر السياقيَّة العادية التي تضخها حياتنا اليوميَّة، فالكتاب يأخذ بيد القارئ إلى منطقة المكاشفة مع ما يجري من خلط في المفاهيم، ومن عدم الوضوح في استعمالها نقديًا وفكريًا، وهذه معضلة أساسيَّة عندما نقرأ لا نفكر أننا نقرأ من أجل فهم واقعنا بالذات وليس فهم أي واقع آخر، وعندما نكتب علينا أنْ نفكر أننا نكتب لقارئ عادي هو القارئ العراقي، ولذلك يكون لزاماً على من يفكر بكل هذه الأبعاد أنْ يستعمل قاموسًا مبسطًا من المفاهيم كي تكون قراءته للأدب، للسياسة، للفكر، للحداثة، للإنسان، قراءة معاصرة بإمكانها أنْ تضيء جانبًا مهمًا من مسؤوليتنا تجاه مجتمعاتنا.
"تناول هذا الكتاب بمقاربة نقدية تنويريَّة رئيسية في تداولات وسطنا الثقافي العراقي" هذه هي المهمة التي تعامل الشاعر نصير فليح معها، وهي مهمة تنويريَّة، يتحسسها المشتغلون في النقد والسياسة والثقافة، ولأنها من المهام التي على القارئ أنْ يعيها عندما يفكر في قضايا مهمة مثل التنوير الحداثة، المستقبل.
لنْ أدرج محتويات الكتاب، ولكني أشير إلى أنَّ أية مفردة من مفرداته جديرة بأنْ يُفرد لها كتاب خاص، كالثقافة والمثقف، التنوير، العقل والعقلانية، العلمانية والمدينة والدين، الإنسان والإنسانوية، الماركسية واليسار، ثقافة النخبة... قلت لن أدرج مفردات الكتاب، فما قلته هنا هي عنوانات ومفاتيح، أما محتوياتها فغابة من احتمالات القراءة التأويليَّة.