روسيا تستغل إخفاقات الغرب في ليبيا

الأحد 19 كانون ثاني 2020 104

روسيا تستغل إخفاقات الغرب في ليبيا

عماد الدين بادي ترجمة: شيماء ميران
 
يعد التدخل الروسي المتزايد في ليبيا نقطة تحول في الصراع، ما يجعل التقارب بين انقرة – الكرملين اكثر احتمالا. وربما يحقق دعم الكرملين لهجوم حفتر على طرابلس نجاحا اخر من خلال استثمار تخلي القوى الاميركية والاوروبية عن مصداقية الدبلوماسية. وبينما تبدو اميركا قلقة من التدخل العسكري الروسي في ليبيا فإن تاثيره قد ينعكس في المسار الدبلوماسي. 

لقد سمحت سلبية اوروبا وانقسامها، مع فشل إدارة ترامب في تطوير ستراتيجية متماسكة – لاطراف اقل نفوذا من التاثير داخل ليبيا، فمثلا اثبتت الامارات وتركيا فاعليتهما على الارض. وبينما تفتقر روسيا الى رأس المال السياسي لإطلاق عملية مشابهة لعملية استانا في ليبيا، فإن مراهنتها على تكاسل نظرائها قد يبقيها في موقع وسيط السلطة.
تزامن نشر روسيا لاعداد كبيرة من مرتزقة فاغنر وجنودها النظاميين دعما لهجوم حفتر، مع إطلاق المانيا والممثل الخاص للامم المتحدة غسان سلامة لعملية برلين، وصورته وزارة الخارجية الالمانية مبدئيا كمؤتمر للدول المتدخلة في ليبيا لإيقاف دعم الاحزاب المتناحرة في ليبيا من دون شروط. وربما يمهد هذا الالتزام الطريق لإعادة إطلاق عملية سياسية تقودها الامم المتحدة. 
ويمكن القول، بعد عقد عدة اجتماعات تحضيرية، ان عملية برلين تحولت الى منبر حاول بعض الداعمين لحفتر، خصوصا فرنسا ومصر، من خلاله صياغة مشهد سياسي واقتصادي وأمني ملائم لحفتر وقواته العسكرية العربية الليبية.
لم يكن تزامن نشر روسيا لمرتزقة فاغنر مع إطلاق عملية برلين فقط، وانما جاء أيضا ضمن توقيت حرج بالنسبة لحفتر الذي واجه انتكاسات عسكرية بعد خسارة قاعدته الرئيسية الامامية، لتحافظ روسيا مبدئيا على إنكارها الظاهري لمستوى تدخلها، كما اصبحت احد الاطراف الرئيسية المؤثرة في المشهد العسكري لهجوم حفتر، وبالتالي يمكنها تحديد اهمية اللواء خليفة حفتر العسكري والسياسي. 
 
مذكرة التفاهم
اصبح انضمام روسيا محور نجاح عملية برلين، كونها الدولة الوحيدة التي تملك قوات كافية على الارض لحسم نتائج هجوم حفتر، خلافا لبقية الاطراف في ليبيا.
كما عبّر المشاركون في عملية برلين عن رضاهم بشأن التطور الجديد رغم تدخل روسيا المقلق، إذ اكملت القوات الروسية مساهماتها في الضربات الجوية المستمرة التي تنفذها طائرات درون الصينية بقيادة طيارين اماراتيين ومقاتلات اماراتية احيانا. واكتفى قائد القاعدة الاميركية في افريقيا ستيفن تاونسند بتوجيه اللوم الى روسيا لإسقاطها الطائرة الايطالية المسيرة نوع (ريبير) والاخرى التابعة للقوات الاميركية في افريقيا. ورغم تفوق سلاح الجو العربي الليبي– لتحليق طائرة اجنبية نيابة عنه – لكنه لم يحقق حتى الان الاختراق العسكري على الارض خصوصا المدن المكتظة.
وربما يحدث تغيير بطيء بفضل الدعم الروسي: فلم تعد الهجمات المضادة التي تشنها حكومة الوفاق الوطني مؤثرة كما في السابق بعد تلقيها ضربة معنوية، وكذلك تزامن نشر روسيا للمرتزقة مع تضاؤل الدعم العسكري التركي للقوات المنضوية تحت سلطة حكومة الوفاق الوطني التي لم تعد قوية كالسابق.
كان تخفيض تركيا لعدد ضربات طائراتها المسيرة نوع (بايراكتار) مطلع ايلول الماضي، جزءا من دافعها الاولي للتأكد من نتائج عملية برلين، والدافع الاخر هو مدى تاثير دورها في ليبيا على علاقتها مع روسيا في سوريا، كما قررت استثمار العزلة الدولية لحكومة الوفاق الوطني التي بقيت منذ نيسان الماضي بلا دعم دولي في مواجهة انتزاع سلطة حفتر الذي تدعمه تركيا.
لقد استغلت تركيا التباين المتزايد في علاقتها مع سلطات طرابلس. ووقعت حكومة الوفاق الوطني المحاصرة اواخر تشرين الثاني من العام الماضي مذكرتي تفاهم مع تركيا بشأن الحدود البحرية والتعاون الامني، افضت الى رسم الخط الحدودي للمنطقة الاقتصادية الخاصة بين تركيا وليبيا. وبذلك، امتصت تركيا جزءا من المياه الاقليمية اليونانية، ما ترك اثرا على التحالفات المتعلقة بليبيا.
البحث عن محافل جديدة
تُبيّن ردود افعال بقية دول حوض المتوسط حول توقيع مذكرة التفاهم الانفصال بين عملية برلين وتغيّر الوضع العسكري والسياسي السريع في ليبيا. وقد اثارت افعال تركيا وحكومة الوفاق الوطني عداء بعض الكتل، ومنها كتلة فرنسا واليونان اللتان تسعيان للمزيد من معارضة انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي، ما قد يسهم بادانة الاخيرة لدور انقرة في ليبيا. 
وبموازاة ذلك، ادى الصراع السابق بين الاتراك والقبارصة في شرق حوض المتوسط الى دفع الكتلة الاوسع (تضم قبرص ومصر واسرائيل) لشجب مذكرة التفاهم ايضا. 
وتضاعفت القوة الجيوسياسية هذه بقيام شركتي النفط الايطالية (إني) والفرنسية (توتال) باعمال الحفر والتنقيب في الساحل الجنوبي الغربي لقبرص. وفي حين فرنسا تؤيد حفتر دائما وبقوة، قابلتها ايطاليا بتطوير سياسة ازدواجية تدريجية تجاهه في ليبيا. 
قد يرغب حفتر وداعموه بان يشهد سحب الاعتراف الدولي من حكومة الوفاق الوطني، واستغلال مناهضة تركيا والتطلع الى سبل جديدة مثل جامعة الدول العربية والاتحاد الافريقي، لتحقيق نتائج رؤيتهم.
رفضت معظم الدول التي شجبت مذكرة التفاهم سابقا الضغط على حفتر، بغض النظر عن الحروب التي يخوضها مع مؤيديه. واستخدموا عوضا عن ذلك عملية برلين اما كوسيلة لتسوية الداخل الليبي او منبر لحسم عشرات الحسابات الجيوسياسية. 
لكن ما تتغافل عنه فرنسا ومصر هو حقيقة ضآلة قدرتهما في التأثير بالمشهد العسكري لهجوم حفتر، فاذا استثمرا جهودهما في التوقيت المناسب لسحب الاعتراف الدولي عن حكومة الوفاق الوطني، فإنهما سيوجهان ضربة قاضية لتلك الحكومة على الصعيد السياسي. لكن من المحتمل ان تملأ القوات المناهضة لحفتر فراغ السلطة الناتج بعناصر متطرفة، ما قد يترك نتائج مأساوية.
اما الاتجاه المقلق الاخر فهو دعم فرنسا والامارات ومصر لقيادة حفتر، فغطاؤهم الدبلوماسي يُكمل المساهمة العسكرية الروسية المتواضعة على الارض، وبهذا تتحقق الكرملين مصالحها باقل تكلفة. ويصب تلاقي الجهود العسكرية والدبلومسية الحالية في مصلحة روسيا ويمنحها نفوذا متباينا، ما يمكنّها من تشكيل المشهد العسكري المعاصر في محيط طرابلس وتُخرّب عملية برلين وتحدد مصير حفتر.
 
تقارب مؤقت
بناء على ما تقدم فان تصريحات اردوغان الاستفزازية الاخيرة ومحادثاته اللاحقة مع بوتين بشأن ليبيا ليست مفاجئة، فحسابات القيادة التركية بتوجيه مفاوضاتها المستمرة المباشرة مع بوتين ستقوض الجهود السياسية لبقية داعمي حفتر في النهاية، وهذا ما اكده وزير خارجيتها جاويش أوغلو مؤخرا في منتدى الدوحة، قائلا: “اتفق اوردغان وبوتين على العمل بشكل ثنائي لوقف سفك الدماء في ليبيا”.
ان ما يمتلكه بوتين واردوغان من مجالات تعاون فكرية وعملية سابقة يمكنها ان تؤثر في ليبيا، تزيد من منطقية تقاربهما، ومثلما تسيطر روسيا على شرعية حفتر السياسية، يبقى مصير حكومة الوفاق الوطني بيد تركيا، وتفقد بقية الاطراف علاقتهم بالتدريج.
في النهاية، يفتح التكاسل الاميركي والاوروبي الباب امام تعدد الاقطاب في ليبيا، وتسد تركيا وروسيا معا الفراغ الذي تركاه، اذن هناك حاجة ماسة لنقطة التقاء حقيقية بمصالح الاطراف الاجنبية في ليبيا نحو إرساء السلام.
وقد ينتج عن التقارب الثنائي المؤقت بين انقرة وموسكو في ليبيا هدوءا مؤقتا في الصراع، او حتى استقرارا قصير الامد. ولن تكون الدبلوماسية الخفية بين تركيا وروسيا كافية لأن تحد من تدخل الاطراف الاخرى، ولن تجلب الليبيين الى الطاولة المفاوضات. ببساطة، عدم التماسك والانقسام الاميركي- الاوروبي يضمن بقاء المأزق الليبي صعب المنال على المدى البعيد.