بلا تعميم!

الاثنين 20 كانون ثاني 2020 212

بلا تعميم!
 جواد علي كسّار
تفيد الأرقام بعودة (16) لاجئا عراقيا من ألمانيا إلى بلدهم خلال العام الميلادي المنصرم. نعرف جميعاً أن بعض هؤلاء هدّم حياته وخرّب بيته واستدان مبالغ كبيرة لكي يصل إلى هناك، بل عرّض بعضهم حياته للخطر، وهو يضع نفسه رهن تصرّف شبكات التهريب.
لكن لماذا عاد هؤلاء وغيرهم إلى أوطانهم؟ ببساطة شديدة، لقد أقدمَ من أقدمَ على العودة بعد أن تهاوت أحلامه، فقد كان حلم الواحد من هؤلاء؛ هو السكن المجاني، والراتب الذي يؤمّن له الحياة الرافهة من دون عمل، و«مفتاح» سيارة ألمانية حديثة، وشابة شقراء!
من الصعب أن نعثر على مهاجر سوري أو مصري أو لبناني أو فلسطيني، يترك فرصة وجوده في ألمانيا، بعكس ما يحصل للعراقيين. وأسباب ذلك متعدّدة تعود إلى ما أسميته غير مرّة بـ«الهجرة الفقيرة» في مقابل الهجرة الذكية الطموحة،وربما استطعنا أن نشير إلى بعض أسباب هذه الحالة، من خلال النقاط التالية:
1. من طليعة أسباب هذه الظاهرة عدم تعلم لغة البلد، وعدم بذل الجهد الجادّ للإحاطة بها. 2. العمل غالباً بأسلوب التجمّعات المغلقة سكنياً واجتماعياً واقتصار العلاقات على الجالية ذاتها.
3. الإحساس الدائم بالظلم والاضطهاد وديمومة هذا الإحساس بحيث يعيش صاحبه نفسية المنهزم باستمرار، مهما طالت الهجرة وبالرغم من تحسّن أوضاعه، خاصّة لدى الجيل الأول، وقد يبادر الجيل الأول توريث أولاده هذه الخصلة. 4. عدم تدوين التجارب وحفظها خاصّة من الفئة المثقفة، وإن كان تدوين التجارب أمراً متاحاً للكثيرين ولا يشترط فيه بالضرورة أن يكون صاحبه ممتهناً لصناعة الكتابة.
5. غياب الوعي الدقيق بمفهوم التقدّم المدني، والانفتاح حين الانفتاح في تلك البلدان، على الهوامش، والاستغراق في عوالم الأشياء والسلع (منتجات الحضارة حسب تعبير مالك بن نبي) من دون الغوص في مكوّنات التقدّم وركائز النهضة لدى تلك الشعوب والبلدان.
6. أضف إلى تلك العوامل، طغيان الهمّ الفردي واستيعابه لجهود المهاجرين، غالباً بسبب ترك كلّ مهاجر لمصيره الفردي، من دون رعاية جماعية من الجالية تخفّف عنه صدمة الغُربة، وتقدّم له خريطة طريق تحصّنه عن تكرار أخطاء من سبقه. 7. حداثة تجربة الهجرة عند العراقيين بالمقارنة بتجارب جاليات أخرى، هو عنصر آخر يُضاف إلى ما سبقه. فهجرة اللبنانيين مثلاً إلى الأميركيتين أولاً، ثمّ إلى بلدان أفريقيا، بدأت طلائعها قبل أكثر من قرن، على عهد حكم السلطنة العثمانية. وهجرة الأتراك أنفسهم، خاصّة إلى أوروبا مرّ عليها قرابة القرن، وهجرة الإيرانيين إلى أميركا وأوروبا وبلدان الخليج العربية مرّ عليها عشرات السنين. هذا التراكم الزمني أو التاريخي، يمنح الجالية بصيرة أوضح، ومن ثمّ يجعلها أفضل في التواصل مع بلدها، وتزويده بالخبرات والمنافع.  8. من الأسباب الأخر التي ينبغي أن لا تهمل الإشارة إليها، هو ما كانت تعيشه بعض شرائح الجاليات العراقية المنتشرة في العالم، من غرور وتعالٍ أجوف على بقية خلق الله وعباده، بذريعة أوراق مستهلكة من قبيل نحن البلد الأعرق في العالم، والحضارة الأقدم بين الحضارات البشرية، وأصحاب أول مسلّة في القانون، وأول من استعمل الحرف، تماماً كمن يشهر أوراق نقدية لا غطاء لها أو يستعمل صكوكاً خالية من الرصيد! بديهي لا أعمم لأن التعميم من دون برهان وباء، فهناك عدد غير قليل من تجارب النجاح العراقية في المهاجر، ربما عدنا إليها في فرصة مستأنفة إن شاء الله.