الأنيمي الياباني.. خيال روائي مدهش

الثلاثاء 21 كانون ثاني 2020 153

الأنيمي الياباني.. خيال روائي مدهش
ترجمة: مي اسماعيل
لليابان تاريخٌ غنيٌ في فنون التصوير ذات التفاصيل الدقيقة، وكان فنان الطباعة بالخشب الشهير "كاتسوشيكا هوكوساي" أحد اوائل مستخدمي مصطلح "مانغا" (في مجموعته "هوكوساي مانغا"، المنشورة سنة 1814). لكن مانغا كما نعرفها اليوم ظهرت أوائل القرن العشرين عبر أشرطة مسلسلة مرسومة في المجلات والجرائد اليابانية. 
ثم تلاها الأنيمي حينما قدم فنانون مثل "أوتين شيموكاوا" تجارب متفاوتة النجاح لأفلام صور متحركة قصيرة. حينها كان إنتاج تلك الأفلام مكلفاً؛ وقد غطى نجاح "ديزني" العالمي على إنجازات اليابان. توسع الانتاج خلال الحرب العالمية الأولى إذ أمرت الحكومة العسكرية اليابانية بتقديم أفلام دعائية موجهة للشعب. وبعد هزيمة اليابان في الحرب غيرت شركات الأنيمي والمانغا مسارها ثانية. 
قدم الفنان "أوسامو تيزوكا" (متأثرا بإنتاج ديزني) سنة 1952 سلسلة "الفتى آسترو"؛ وهو فتى روبوت محب للسلام له قوى خارقة. قاد الاهتمام الكبير الذي لقيه المسلسل لمنح الفنان لقب "والد فن المانغا" ومهد لإنتاج فيلم للشخصية نفسها سنة 1963.يرى "أيان كوندري" مؤلف كتاب "الأنيمي: روح اليابان" أن قوة صناعة الإفلام المتحركة اليابانية تكمن في التداخل بين فنون المانغا والأنيمي؛ قائلا: "استخدم المنتجون المجلات المصورة كحقول اختبار للقصص والشخصيات؛ وهذا غالبا سر نجاح الأنيمي". 
في الخمسينيات وضع ستوديو "توي-Toei" للرسوم المتحركة (حيث عمل تيزوكا) هدفا ليكون "ديزني الشرق"؛ وبدأ بتصدير أفلامه الى أميركا. وهو ما يصفه موريكاوا قائلا: "استند هذا الحماس التصديري بدءا على نجاح أفلام ديزني عالميا، وعلى افتراض أن لأفلام الصور المتحركة فرصة أكبر للنجاح في الغرب من الأفلام الاعتيادية ذات الممثلين الآسيويين". لكن نجاح "الفتى آسترو" المدوي في اليابان لم يتحقق في أميركا حتى بضعة عقود لاحقة! 
 
ثقافة شعبية
نقل أطفال العسكريين الأوروبيين والأميركان في القواعد العسكرية والمصالح التجارية باليابان مطلع الثمانينيات أفلام فيديو الأنيمي اليابانية لأقرانهم في الوطن، فاستقطبت العناوين "الحداثية" (مثل- "كاوبوي بيباب" و"رجل اللكمة الواحدة") مخيلة العاملين بصناعات الكومبيوتر والانترنت الناشئة. وانتشر ذلك المفهوم بعد قيامهم بترجمة أفلام الأنيمي اليابانية ونشر النسخ المقرصنة عبر الانترنت. تقول "نابير": "على خلاف العديد من البدع الثقافية الأخرى (مثل- بوكيمون) لم ينتشر الأنيمي بدفع من المؤسسات العملاقة؛ بل كان ثقافة شعبية حظيت بالاهتمام بعدما تناقل المهتمون أمرها كلاميا". إنتعش الاقتصاد الياباني ليصير الثاني عالميا في الثمانينات، وانتشرت دروس اللغة اليابانية في الغرب؛ فدخل الأنيمي والمانغا قاعة الدرس كأداة تعليمية، وساهم الهوس الشبابي بالانترنت والثقافات الجديدة بانتشاره. كان الشباب الأميركي يبحث عن نتاجات ثقافية تعرض منظورا جديدا؛ وبالنسبة لهم بدت اليابان مكانا مثيرا يشبه البيئة السيبرانية والحبكات المثيرة للجدل التي تفتح بوابة لعالم جمالي ونفسي مختلف. تمضي نابير قائلة: "كانت الثقافة اليابانية تعرض مواضيع أكثر قتامة وإثارة بطريقة كانت أميركا وأوروبا أبطأ في تبنيها، وأصبح الأنيمي وسيلة لملء الفراغ الفكري في الغرب".  في أواخر التسعينات قاد تعاون الشركات اليابانية- "ننتندو" و"كيم فريك" و"كريتشيرز" لتقديم سلسلة ألعاب الفيديو "بوكيمون"، وفيها مئات المخلوقات الخيالية بصيغة الصور المتحركة (كارتون)؛ فكانت فاتحة لموجة أنيمي كبيرة خارج اليابان. اجتاحت حمى "بوكيمون" العالم؛ وأصبح "بيكاتشو" الأصفر الزاهي عنصرا أساسيا في التلفاز الأميركي. باعت "ننتندو" سنة 1996 أكثر من 31 مليون نسخة من اللعبة؛ وعُرِضَ المسلسل التلفازي في أكثر من مئة دولة. غيّر الاهتمام العالمي النظرة الى الأنيمي في موطنها؛ كما ترى "تاكاكو ماسومي" أمينة المركز الوطني للفنون بطوكيو؛ فبعدما كانت ستوديوهات الانتاج تبيعه بثمن بخس خارج اليابان، انتشر بسرعة وهدوء كما تقول: "كان يباع رخيصا؛ ولكن محتوياته الجذابة استقطبت قلوب الأطفال".. وفي النهاية حتى الحكومة اليابانية لاحظت تلك الفرصة. 
  
الكنز الحي
بعد انهيار الاقتصاد الياباني (المعجزة) في التسعينيات؛ بحثت الدولة عن سبل لتقديم نفسها من قوة أعمال عالمية كبرى إلى مُصدّر لثقافة فنية فريدة؛ فاستندت الى التسويق الضخم لمنتجات التكنولوجيا العالية ونشر نتاجاتها؛ من شخصية "هلو كيتي" الى وجبة "السوشي".
وبدأت "وكالة الشؤون الثقافية اليابانية" منذ سنة 1997 بدعم معارض الأنيمي والعاب الفيديو والفنون الإعلامية. هذا ما وصفه الصحفي الأميركي "دوغلاس ماكغيري" في أطروحته سنة 2002؛ قائلا: إن تلك الفكرة.. "تذكير بأن الصرعات والمنتجات التجارية وتوجه الدولة للترويج لها يمكن أن يخدم الأهداف السياسية والاقتصادية". أصبحت "القوة الناعمة" (وهي اسلوب تؤثر بواسطته دولة ما على القيم والمنظور العام والدولي) نمط عمل معاصر؛ لكن ثقافة الأنيمي كانت قد حازت مسارها الذاتي بالفعل. تصاعدت معدلات المشاهدة؛ وسحرت أفلام مثل "أُخفيَ بعيدا" العالم سنة 2001، محققا ربحا قدره 277 مليون دولار، وبقي الأول حتى سنة 2016 وفيلم "اسمك" الذي حقق 357 مليون دولار. وصفت الحكومة الأنيمي "كنزا وطنيا حيا" وكرّمت الفنانين الذين حفظوا ثقافة اليابان؛ ومنهم المخرج والمؤلف "هاباو ميازاكي"، الذي استقى من التقاليد اليابانية واحترام الطبيعة، لكنه مس مشاعر الانسانية عالميا. اليوم أصبح فن الأنيمي من أكثر الثقافات انتشارا في العالم، وله معجبون ومتابعون كما هو الحال مع موسيقى الروك أند رول وسينما هوليوود؛ وبينما يواصل انتشاره دوليا فقد لا يعود ملكا حصريا لليابانيين؛ إذ باتت له تنوعات كثيرة في أوساط الانتاج ومراكز خارج اليابان؛ وله خيال روائي مدهش؛ وهذا جوهر نجاحه 
العالمي. 
 
إميكو جوزوكا- سي أن أن الأميركية