مؤتمر الشعر الخامس

الثلاثاء 21 كانون ثاني 2020 191

مؤتمر الشعر الخامس
ياسين النصير
عندما تحتضن القاهرة مؤتمرا للشعر، وتستقطب مئات المثقفين من بلداننا العربية، المعنيين بالشعر والمعنيين بالثقافة وبتطوير حقلي المعرفة والحداثة، تجد نفسك في غابة من المفاهيم والأسئلة، هكذا ما فاضت به الندوات النقدية والقراءات الشعرية وما جرى في أروقة دار الأوبرا وفي زوايا المهرجان، ويتعالق مع هذا الحضور والاهتمام أن يكون الجميع منشغلين بالهموم العربية، يسألونك عن العراق، عن ثورة التحرير، 
يسألونك عن الغد، عن مستقبل القصيدة، عن الشعراء الذين لم يتعرفوا عليهم بعد، عن الذين أسسوا لأنفسهم قوائم شعرية يمكنها أن تنقلهم إلى أمكنة قصية دون خوف عليهم من السقوط، فالعراق وليد باطفال الغد المبهمين، وبدورك تسأل عما ينقصك في هذا الخضم من المشكلات والطموحات وما هو مقروء فيه ومخبوء. قال صديقي المغربي: كلنا نعيش في اليأس، وبدأ يشرح ذلك على الطريقة الفرنسية من أن اليأس قوة عندما يكون عدد اليائسين بالآلاف.
ليس المؤتمر الخامس قراءات فقط، ولا هو ندوات ولقاءات وأحاديث، إنما هو تجديد شباب الأفكار وكيفية إدامتها لعقود. 
ما يدور أكبر من القصيدة ومن الشعر، هو مصير الأمة وبلدانها، وتخطي دول الجوار حدود اللياقة الجغرافية  لمد أذرعها إلى داخل هذه الدول وتعنت القوى المتخلفة من أنها قادرة بعقليتها الساكنة الدخول لعالم المستقبل. فأي مؤتمر هو شرارة توقد ما انطفأ من أوار سعيرنا المخبوء.
مع ذلك ليس هذا هو ما انعقد المؤتمر من أجله، فالقاهرة ولودة، وجديرة بحياتها وديمومة قواها الفكرية، وعندما يحضر كبار المسؤولين القراءات والندوات تشعر أن المسؤولية ليست تكليفا فقط بل هي اهتمام  شعبي لأهم ما يواجهك به المسؤول من انه وجد لغاية أخرى وهي إدامة حضور الثقافة في حياتنا اليومية. مسؤولون بلا حماية ولا همبلة ولا دق طبول وخدم مسلحين بكواتم 
صوت. 
كنت من بين المدعويين لتقديم بحث عن الحركة الثانية لقصيدة الحداثة، وخلصت في أول يوم للمهرجان وكنت ثاني المتحدثين بعد الدكتور عبد السلام المسدي، فقدمت رؤية لمعنى الحركة  لقصيدة الحداثة وما تعنيه من انها تغيير في السياق العام لقصيدة الحداثة، وكان من الضروري ان تنهض قوى الحداثة لتغيير سياق القصيدة وتجعلها منضوية تحت متغيرات العالم، وهو ما ظهر فيها  نماذج مغايرة لقصيدة الحداثة الاولى: تمثلت بقصيدة النثر، وقصيدة غير المألوف في اليومي والمألوف، وقصيدة الكولاج، وقصيدة الكونكريت، وقصيدة اللقطة، وقصيدة اللمحة، والقصيدة المدورة، والقصيدة المكانية، وغيرها من النماذج التي لم تستقر على أشكال ثابتة لكنها وسعت من المخيلة ومن الأداة، وتحولت من القرية إلى المدينة، ومن الصوت المفرد إلى الصوت الجماعي، ومن اللغة إلى الكلام ، ومن السرد السطحي إلى السرد الدلالي، ومن القوافي المهيمنة إلى القصيدة المنفتحة، ومن الدراما الذاتية إلى الدراما وأقنعتها الجماعية ومن الاهتمام بالزمان إلى الاهتمام المكان، ومن الشكل الواقعي إلى الشكل اليوتيوبي، ومن استعارة الأشياء إلى فاعلية الأشياء، ومن القول العابر إلى القول الفلسفي، ومن الحكاية المفردة إلى الحكاية الصوت، ومن الذات الواعية بنفسها إلى السردية الشاملة لقطاعات عديدة، ومن معطيات التاريخ إلى جدلية التاريخ، ومن استعارة الأسطورة إلى تمثل الأسطورة حياة ورؤية، ومن مفردة الحب إلى مفردة الحرب والحب، ومن الشكل الافقي إلى الشكل العمودي، ومن الزمن الذاتي إلى الزمن الكوني، ومن المعنى الظاهر إلى المعنى المختبئ، ومن استعانة القارئ للسماع إلى حضور القارئ للمشاركة، وتحدثت عن مفهوم الحداثة في ثقافتنا العربية وقواميسنا اللغوية التي لم أجد للحداثة فيها أي وجود دال شأنها شأن الثقافة؛ أي ليس  لها وجود يصف معنى الحداثة في الأدب، عدا انها تعني "السن الصغيرة بمواجهة السن 
الكبيرة". 
لا شيء يمكن لقواميسنا أن تنقلنا إلى الحداثة، فالثقافة فيها تعني تثقيف الرمح أي إصلاحة وتعديل اعوجاجه، ولذلك أصبحت الثقافة مخيفة للسلطات لأنها تنادي باصلاح المجتمع، وهو ما لم نجده متحققًا من هذه الثقافة في بلداننا العربية عدا مصر وقد أسندتها بالمال والنشر والكتابة والبعثات والترجمات والمؤتمرات
، لان بلداننا العربية الأخرى بلا ميزانيات لتطوير الثقافة وكأن سلطاتنا تخشى الثقافة وتخشى آلياتها للإصلاح، فغوبلز لا يزال حيا في عصرنا العربي الإسلامي الحديث. فكيف بنا ونحن نتحدث عن حركات الحداثة في الثقافة كلها بما فيها 
الشعر؟ 
سينبري لك من يقول إن مجتمعاتنا العربية لا تعرف الحداثة بل تعرف التحديث لأنها تمتلك أمولًا تشتري بها السلع والتكنولوجيا من دون أن تحدث مجتمعاتنا بالخبرات العلمية، نعم إن ما يحدث هو إلغاء دور الشعب في تطوير آليات الحداثة وإغراقهم في وظائف التحديث كي يبيعوا ما تنتجه الخبرات 
العالمية. 
هنا ستجد ميدان حركة القصيدة جزءا من حركة المجتمع ومن دون أن نحدث مجتمعاتنا بالخبرات لا يمكن للقصيدة أن تنتقل لأية حداثة من دون أن يصاحبها حداثة في اللغة والمجتمع والثقافة، كل الاشياء مترابطة. ومع ذلك يمكن تشخيص نقلة في قصيدة الحداثة الأولى، لا سيما قصيدة السياب إلى حركة ثانية فيها وهو ما يسير عليه شعرنا الحديث منذ ادونيس وسعدي يوسف والبريكان وصلاح عبد الصبور ورعيل الشعراء المحتدمين بالتجديد في العراق وسوريا ولبنان ومصر. نعم ثمة حركة ثانية ستؤدي بنا إلى المغايرة مع سياسة التحديث البائسة التي تنتهجها السياسات 
العامة.