... وماذا عن إيران؟

السبت 25 كانون ثاني 2020 241

... وماذا عن إيران؟

صالح الشيخ خلف 
 
للوهلة الاولى يبدو ان طرح اسئلة بشأن الدور الايراني في العراق بعد تظاهرة يوم الجمعة غريبة من ناحية ومثيرة من ناحية اخرى، خصوصا في ضوء اللغط الكبير الذي يسود بعض الاوساط العراقية حول حقيقة الدور الايراني في العراق؟ واهداف الاطراف المتحالفة مع ايران في السياسة العراقية الداخلية؟
العلاقة الايرانية العراقية على مر السنين لم تكن علاقة نمطية طبيعية لاسباب تتعلق بالظروف السياسية التي مرت بها المنطقة خلال المئة عام الماضية، والتعقيد الذي شهدته العلاقة بين البلدين عندما اندفعت القوى القومية بدوافع مذهبية غير مبررة لتضع حواجز سياسية بين البلدين انعكست في مابعد على حرب عبثية مدمرة لم يجن منها العراق ناقة ولا جمل اللهم الا الملايين من القتلى والارامل والايتام وضياع الوطن . وقد عملت ماكنة النظام السابق الاعلامية بما تملك من قدرة مسخّرة على تزييف الحقائق واعطاء صورة مشوهة عن العلاقة التي تربط العراق ليس مع ايران فحسب وانما مع كل دول الجوار ، حيث اخذت كل دولة ماتستحق من التشويه من قبل ذلك الاعلام على مقاسات حددها النظام سلفا من اجل مهاجمته وفق نظريته وافاقه السياسية .
بعد 9 نيسان 2003 كانت ايران من الدول القلائل التي اعترفت بالنظام العراقي الجديد والعملية السياسية ورحبت بالجهود التي ادت الى كتابة الدستور وتشكيل الحكومة العراقية المستقلة عبر صناديق الاقتراع كخطوة نحو انهاء حالة الاحتلال والسير باتجاه التنمية واعادة اعمار العراق بما يحقق المصالحة المجتمعية التي تستند على مبدأ المواطنة .
وقد سمع رؤساء الوزراء الذين زاروا ايران منذ العام 2005 من كبار المسؤولين الايرانيين وتحديدا مرشد الجمهورية الاسلامية السيد علي خامنئي ما يؤيد ذلك . رئيس الوزراء الاسبق نوري المالكي سمع من السيد خامنئي حرص بلاده على وحدة واستقلال وقوة العراق و{ان الجمهورية الاسلامية الايرانية ترى ان تقدم وقوة العراق يصبان بصالحها وتعتقد ان العلاقات الثنائية يمكن لها ان تكون نموذجا يحتذى به في المنطقة».
وخلال لقائه مع رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي راى المرشد الايراني «ان الامن والرفاه الاجتماعي والقوة والعزة التي يتمتع بها العراق باعتباره بلدا مهما في المنطقة مهمة للجمهورية الاسلامية الايرانية» معربا عن استعداد ايران لدعم العراق من خلال ماتمتلكه من امكانات . في حين سمع رئيس الوزراء عادل عبد المهدي من السيد الخامنئي معارضة ايران وبشدة لأي دعوة لتقسيم العراق داعياً الى وحدة العراق وسيادته على كامل اراضيه. وفي اكثر من مناسبة كرر المسؤولون الايرانيون «ان الامن في العراق هو امن ايران». 
هذه الثوابت التي التزمت بها السياسة الايرانية دفعتها للدفاع عن وحدة العراق في العام 2014 عندما سيطرت عصابات داعش الارهابية على مناطق واسعة من الاراضي العراقية وهددت العاصمة بغداد وبقية المدن الاخرى . صحيح ان ايران رأت في امتداد داعش خطرا على امنها الوطني والاقليمي ، لكن الصحيح ايضا انها وقفت مع الشعب العراقي في تنظيف العراق من هذه العصابات الارهابية التي لم تميز بين المدن العراقية بقومياتها ومذاهبها واديانها وشمالها وجنوبها . 
وفي حين تخلت كل الدول العربية من دون استثناء عن العراقيين واستنكفت من دعم العراق الجديد ، كانت ايران من ظمن الدول القلائل التي وضعت امكاناتها من اجل دعم العملية السياسية ، حتى اتهم البعض ايران بالتمدد في العراق ، لكن الحقيقة لم يكن هناك تمدد بقدر ماكان انحساراً للشقيق العربي في الوقوف الى جانب اخيه العراقي ، الامر الذي كان من الممكن مشاهدة الايراني في العراق من دون ان يكون هناك دور للشقيق العربي .  
والسؤال هل ان ايران تعشق العيون العراقية عندما ساعدت ووقفت الى جانب العراق ؟ الادبيات السياسية الايرانية تقول بكل وضوح ان ايران لا تريد ولا تتمنى ان تعود حقبة الثمانينات من القرن الماضي ولاتريد عودة الحرب مع العراق كما لا تريد ان يكون العراق  «البوابة الشرقية» لمهاجمة ايران ، اضافة الى انها لا تريد استغلال العراق وشعبه لتحقيق مصالحها على حساب مصلحة العراقيين ، كما انها لا تريد ان تكون الاراضي العراقية منطلقا لاي قوات اجنبية وتحديدا الامريكية للهجوم على
 ايران. 
وخلال تطورات واحداث تشرين اكتوبر، لم تكن ايران ترغب او تتمنى ان يكون العراق ساحة صراع مع الولايات المتحدة كما ارادتها الاخيرة عندما قال وزير خارجيتها مايك بومبيو «نريد قطع اليد الايرانية 
في العراق» . 
تبقى قضية التواجد الاجنبي في العراق ، فايران تقول ان هذا التواجد امر يحدد اطاره العراقيون وهم القادرون على تحديد مصالحهم لكنها تعتقد ان اهداف هذا التواجد تهدد المصالح العراقية كما انه يهدد مصالح دول الاقليم لان اهدافه لاتاخذ بنظر الاعتبار مصالح الاقليم ولا تسهم في دعم وتعزيز الامن والاستقرار في المنطقة .