وجهة نظر: إيران مؤهلة «للفوز» بحرب الشرق الأوسط

السبت 25 كانون ثاني 2020 224

وجهة نظر: إيران مؤهلة «للفوز» بحرب الشرق الأوسط
ترجمة / أنيس الصفار
 
المواجهة الكبرى في الشرقِ الأوسط قد لاحت بوادرُها، وإيران مؤهلة للخروج منها بفوز، والعجزُ الفاضح عن الرد عليها، نموذج مصغر ومعبّر عن مدى ما تبذله طهران من جهود لامتلاك اليد الطولى ستراتيجياً بمواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
 من خلال مجموعة متنوعة وواسعة من الاسلحة الجديدة بعيدة المدى ذات الدقة العالية أصبح بمقدور إيران وحلفائها اليوم وبكل جدارة التهديد بإنزال ضربات كارثية مقعِدة بأهداف ستراتيجية مهمة في انحاء شتى من المنطقة.
هذه القدرة جاءت ثمرة تفاعل لعوامل ثلاثة هي: ارتقاء إيران بمستوى أسلحتها، وتوسعها إقليمياً بما يتيح لها ضرب طوق حول اعدائها، وافتقار اولئك الأعداء الى العمق الستراتيجي.
الأمر المدهش هو أن إيران تمكنت من بناء هذه القوة بالرغم من العقوبات المفروضة عليها وجميع السلبيات التي تعانيها قواتها العسكرية التقليدية القديمة، بالاضافة الى ضآلة ميزانيتها الدفاعية وعدم امتلاكها اسلحة نووية.
بدلاً من ذلك نجحت في امتلاك مزايا هجومية واضحة من خلال زيادة مديات ودقة أسلحتها البالستية وصواريخ كروز وطائراتها المسيّرة.
بالرغم من أن التقدم الذي حققته إيران في مجال تطوير الأسلحة البالستية التقليدية قصيرة المدى، من حيث المدى والقدرة التدميرية والدقة في اصابة الهدف، لم يحظَ بذات الاهتمام الذي حظيت به صواريخها القادرة مستقبلاً على حمل اسلحة نووية، فإنه ليس بأقل إثارة للقلق منها
كذلك تعمل إيران على انتاج صواريخ بالستية مضادة للسفن مزودة بوسائل استهداف مطوّرة وقدرة على المناورة حين الاقتراب من الهدف.
كذلك تغيب عن الاهتمام صواريخ كروز الإيرانية، بالرغم من كل ما يقال عن قوّة فعلها.
فإيران اليوم تمتلك صواريخ كروز مخصصة لمهاجمة الاهداف الارضية، وهذه تتصاعد دقتها بمرور الزمن، كما أن بعضها يغطي بمداه منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
كذلك تنتج إيران صواريخ كروز أبعد مدى مضادة للسفن بالامكان إطلاقها من بطاريات أرضية أو من على متن اسراب من الزوارق الصغيرة التي وصفها تقرير حديث للبنتاغون بأنها “القوّة الاساسية” للأسطول الإيراني في الخليج.
تعمل إيران أيضاً على تطوير صواريخ كروز مضادة للسفن تطلق من الغواصات.
تشكل الدرون (لاسيما المركبات الجوية والبحرية التي لا يقودها ربان) الركيزة الثالثة في المنظومة الإيرانية.
تستخدم إيران وحلفاؤها هذا السلاح، الذي يكنى بـ”سلاح الفقراء الدقيق” على نهج هجمات الكاميكاز؛ إذ تقوم المركبة نفسها في اغلب الاحيان مقام الرأس الحربي.
طوّرت إيران مستوى الدقة في هذه الاسلحة معتمدة بدرجة ما على تطبيقات الهندسة العكسية على بعض الطرازات الغربية التي وقعت في يدها.
بفضل هذا التقدم اصبحت صواريخ إيران وطائراتها المسيرة “أسلحة تأثير شامل” لدى استخدامها في تشكيلات واسراب قادرة على انهاك أشد منظومات الدفاع تعقيداً.
تنشط إيران ايضاً في شحن هذه الاسلحة الى مختلف انحاء المنطقة، إذ بات لدى حزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن ترسانات متكاملة من الصواريخ البالستية قصيرة المدى وأخرى مضادة للسفن، بالاضافة الى الطائرات المسيرة.
تعمل إيران أيضاً على تزويد حزب الله بمعدّات اضافية من شأنها تحويل الالاف من صواريخه غير الموجهة وقذائف مدافعه الثقيلة الى اسلحة أعلى دقة، كما تزود حلفاءها في سوريا والعراق بالصواريخ قصيرة المدى والطائرات المسيرة.
من خلال الدمج بين المديات المتصاعدة لأسلحتها الدقيقة صار الانتشار الإيراني يطوق اعداءها بحقول متراكبة من النيران الدقيقة بعيدة المدى، وهو ما تصفه اسرائيل بـ”حلقة النار”.
وحتى اسرائيل يمكن أن تتعرض لضربات تأتيها من لبنان وسوريا والعراق واليمن ايضاً في نهاية المطاف.
أما القوات الأميركية فمن الممكن أن تتعرض للضرب من أية نقطة على الساحل الإيراني.
هذه الاحاطة الكاملة تعزز القوة الاجمالية التي تستطيع إيران توظيفها ضد مناوئيها بالرغم من تباعد المسافات.
اضافة الى ذلك تملك طهران مبادرة الهجوم من الاتجاه الذي تختاره، أو من عدة اتجاهات في آن واحد، في حين ينشغل المدافعون الذين يواجهونها بمهمة تأمين حمايتهم على محيط 360 درجة. 
هذا التهديد من اتجاهات مختلفة يرغم أعداء إيران أيضاً على نشر قدرات التصدي التي لديهم الى حدود الاعياء، فعلى مدى السنوات الماضية بقي السعوديون والاماراتيون يخوضون في اوحال اليمن، بينما لجأت اسرائيل الى اسلوب الضرب عشوائياً هنا تارة وتارة هناك على جبهات عديدة حيثما لاح الخطر.
تكثيف العمق الستراتيجي الإيراني على هذا النحو فعل فعله في اضعاف العمق الستراتيجي لاعدائها، ذلك العمق الذي بلغ الان حدود الضآلة لأهداف هي غاية في الحساسية والاهمية.
بأسلحتها الجديدة وتوسعها الاقليمي تراكمت لدى إيران قوة لا يستهان بها لتسليط ضغط ستراتيجي عبر ابقاء هذه الاهداف الحساسة بمثابة رهينة محتجزة.
ينتشر في الشرق الأوسط حالياً نحو 60 ألف جندي أميركي، ولكنهم يتمركزون في تجمعات كبيرة داخل العراق وبضع قواعد جوية وبحرية اخرى في منطقة الخليج، وعلى متن السفن الحربية.
حلفاء أميركا في المنطقة يعملون أيضاً انطلاقاً من حفنة من القواعد الجوية والبحرية.
تعتمد حيوية النشاط الاقتصادي السعودي، وكذلك الإماراتي والاسرائيلي، على ميناءين بحريين في كل من هذه الدول، الى جانب حركة ناقلات النفط العملاقة البطيئة وسفن الحاويات.
توليد الطاقة الكهربائية، ومنشآت الصناعات الكيمياوية ومعالجة المياه هي الأخرى محدودة من حيث العدد، ومهاجمة مواقع تحلية المياه الاساسية في السعودية يمكن أن توقف امدادات المياه في هذا البلد لمدة عام.
المشاريع العملاقة في منطقة الخليج، مثل ناطحات السحاب والمطارات، تمثل هي الاخرى نقاط تركز لموارد ضخمة مجتمعة في اهداف كبيرة محددة وشاخصة.
على مدى السنوات كان الحوثيون يضربون نقاط الضعف هذه بالتحديد مستخدمين صواريخ دقيقة وطائرات مسيّرة بلا طيار ضد المباني والقواعد العسكرية والمطارات وأنابيب نقل النفط ومحطات الضخ التابعة للسعودية، الى جانب السفن التجارية وناقلات النفط والقوات البحرية التابعة للولايات المتحدة وحلفائها في المناطق قرب باب المندب الحيوي.
بيد أن الحوثيين باشروا مؤخراً باستهداف المدارج المنفردة بالتحديد وصالات استقبال وتوديع المسافرين في المطارات السعودية. 
بل ان سعي إيران للارتقاء بمستوى دقة صواريخها بعيدة المدى وطائراتها المسيرة يعني أنها لم تعد قادرة الان على تهديد الاهداف التي تفترش مساحات واسعة فقط، مثل المدن والقواعد الكبيرة، بل تهدد أهدافاً نقطية أكثر اهمية تتعلق بالبنى التحتية الحساسة، مثل مراكز القيادة العسكرية وحظائر الطائرات وارصفة الموانئ وتقاطعات الطرق السريعة وابراج التبريد، وحتى القصور والسفارات.
عند النظر الى الأمور عبر المنظار الأوسع يكتسب هجوم أبقيق أهمية تتخطى الجانب النفطي بكثير؛ فخلال 17 دقيقة لا غير تمكنت 18 طائرة مسيرة و7 صواريخ كروز من الطيران لمسافة قاربت 650 كيلومتراً مقبلة من الشمال الشرقي على ارتفاع منخفض ومسارات مناوِرة لتنزل اضراراً فادحة بعدد من المباني في إحدى اكبر منشآت النفط في العالم.
في ذلك الوقت كانت الدفاعات السعودية تواجه الجنوب الغربي تراقب اليمن.
لعل أهم ما يشي به الموقف كله هو أن الرياض لم تبد رداً، في حين اكتفت واشنطن بعقوبات هي أشبه بضربة على قفا الكف.
يتجلى من هذا مدى تمكن إيران من ترجمة ما طورته ونشرته من أسلحة دقيقة بعيدة المدى الى مكاسب ستراتيجية حقيقية.
قبل حادثة أبقيق بمدة أظهرت دولة الامارات العربية ميلاً احترازياً للتقرب من طهران، وكان من ضمن ذلك انهاء مشاركتها في العمليات ضد الحوثيين.
كذلك باشرت الإمارات بمناقشة موضوع الأمن البحري مع إيران بالرغم من رصدها تهديد القوات الإيرانية لحرية الملاحة في الخليج.
منذ حادثة أبقيق بدأت الرياض هي الأخرى تنهج بصمت نهج الإمارات، في حين أبدت الولايات المتحدة عزوفاً عن التصعيد لما هو أعلى من الاجراءات الاقتصادية.
اسرائيل بطبيعتها كانت اكثر تحركاً واستباقاً للاحداث في ما يخص إيران، بيد أن حزب الله يقف لها بالمرصاد كقوة مقيِّدة لحريتها على الحركة.
كذلك تتعامل اسرائيل مع الصواريخ التي تطلق عليها بانتظام من قطاع غزة باعتبارها شكلاً من اشكال الإشغال عن جبهتها الشمالية.
حزب الله من ناحيته يهدد أيضاً برد انتقامي ثقيل وشامل إذا ما أقدمت اسرائيل على اجراءات عنف ضد إيران.
حتى الآن لم تطلق إيران أو اسرائيل أقوى ما لديهما من وسائل ضد بعضهما، ولكن طهران ووكلاءها يمتلكون القدرة على احداث أضرار أشد وأكثر جدية بكثير من تلك التي أحدثها هجوم أبقيق إذا ما شاؤوا ذلك.
يحذر المسؤولون الأميركيون والاسرائيليون من ان طهران لم ترتدع، لذا ينبغي توقع المزيد من الهجمات.
على اساس ذلك ينبغي على أية ستراتيجية حقيقية تتوخى تسليط ما يدعى “الضغوط القصوى” أن تخرج من نطاق العقوبات المجردة قبل التمكن من ردع إيران واضعاف قدرتها على استخدام ونشر اسلحتها الدقيقة.
السياسة التي انتهجتها ادارة ترامب مؤخراً في تعزيز الدفاعات الخليجية المضادة للصواريخ البالستية ضرورية بلا شك، ولكنها ليست كافية؛ فمنظومات التصدي لصواريخ كروز، ومنها منظومات التضييق والاطباق، أعلى قدرة على تحري ودحر ما في ترسانة إيران من سلاح، ولكن ينبغي على الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة أن ينسقوا عمل دفاعاتهم القائمة المضادة للصواريخ، بالرغم مما في ذلك من صعوبة.
هذا الأمر يتطلب زمناً غير يسير، ولكن الولايات المتحدة ومن معها قادرون في المدى الفوري على المباشرة بتضييق حصار التسلح على إيران واليمن من خلال اعتراض الاسلحة الإيرانية.
على الولايات المتحدة أيضاً أن تضمن استمرار امتلاك اسرائيل منصات واسلحة تستطيع التصدي للانتشار الإيراني.
يشدد المسؤولون الأميركيون، ولهم الحق في ذلك، على ضرورة احياء قوة الردع ضد إيران، ولكن تحقيق هذا يقتضي من الولايات المتحدة التعجيل والسرعة لأنها تواجه عدواً يمتلك منذ الان اليد الطولى في الشرق الأوسط ستراتيجياً.
 
* جوناثان روهي/عن مجلة “ناشنال إنتريست”