اقتصادنا وحراك الإصلاح

الاثنين 27 كانون ثاني 2020 154

اقتصادنا وحراك الإصلاح
سمير النصيري
 
الظرف الراهن الذي يمرُّ به عراقنا الحبيب حساسٌ واستثنائيٌّ وأبرز ما يميزة هو الحراك الشعبي للمتظاهرين السلميين والمطالبات المشروعة بالإصلاح السياسي والاقتصادي الجذري، ولعرض تحليل واقع الاقتصاد العراقي وهو الذي يهمني في هذا المقال، إذ إنَّ المتتبع والمراقب لدور مؤسسات الحكومة خلال السنوات العجاف التي مرَّ بها العراق وما زال يمر بها منذ 2003 
في ما يخص إدارة الاقتصاد العراقي يلاحظ أنَّ هناك إخفاقات وتحديات تتعلق بفقدان المنهجية وعدم وضوح السياسات والبرامج وعدم انسجام الستراتيجيات السبع عشرة التي أعدت بالمشاركة مع منظمات دولية وخبراء ومستشارين عراقيين مع واقع الاقتصاد العراقي الأحادي الموارد والذي يعتمد بشكل اساسي على الريع النفطي والذي أدى الى حصول خلل بنيوي وهيكلي في الاقتصاد وعدم حصول استقرار في النظام المالي والنظام النقدي بسبب العجز في الإيراد غير النفطي وفي ميزان المدفوعات والعجر السنوي في الموازنات العامة وعدم التنسيق بين السياستين المالية والنقدية.
يضاف الى ذلك سوء إدارة المال العام والفساد المالي والإداري والضعف الواضح في القيادات الاقتصادية المسؤولة عن إدارة الوزارات والمؤسات الاقتصادية الحكومية، فضلاً عن عدم إعطاء دور فاعل للقطاع الخاص في صناعة القرارات 
الاقتصادية..
إنَّ جميع الإخفاقات أعلاه في ظل عدم الاستقرار السياسي والأمني والحرب على الإرهاب أدت الى إرباك في المشهد الاقتصادي والقصور في الرؤى لبناء اقتصاد وطني متين قادر على رسم مقدمات الانتقال الى اقتصاد السوق الاجتماعي الذي وفقا لاعتقادي بأنه الحل لواقعنا 
الاقتصادي. 
إنَّ الإخفاقات والتحديات أعلاه خلقت ضبابية لمستقبلنا الاقتصادي لدى العديد من نخبنا الاقتصادية، ولكني أؤمن ويؤمن الكثير من خبراء الاقتصاد أنَّ هناك نقاطاً وتجارب واعدة ومضيئة قامت بها بعض المؤسات الاقتصادية خلال السنوات الماضية وبشكل واضح وبارز خلال السنوات (2015 - 2020) وهي سنوات الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة ومن أبرز النقاط المضيئة في هذه المسيرة هي تجربة البنك المركزي في دعم الاقتصاد الوطني مع محافظته على وظائفه وأهدافه المحددة في 
قانونه.
إنَّ أهم ما حققه البنك المركزي هو مساهمته في تحقيق الصمود الاقتصادي وتعزيز النصر الحاسم على الإرهاب، إنني لا أريد أنْ أوضح الإجراءات التنفيذية والتطويرية وبناء العلاقات المتوازنة مع البنوك العربية والإقليمية والأجنبية وستراتيجيته للسنوات (2016 ‐ 2020) ومشاريعه المصرفية الستراتيجية للسنوات الخمس المقبلة فإنَّ النتائج المتحققة على نطاق تطبيقات السياسة النقدية داخلياً وبناء العلاقات المصرفية الدولية مع المنظمات المالية العالمية وأهمها التقارير الرسمية الصادره عنها تؤكد نجاح سياسة البنك المركزي في تحقيق انتقالة مهمة للاقتصاد العراقي من مرحلة الرمادية الى المتابعة الاعتيادية كباقي الدول ذات الاقتصادات المستقرة بعد تصفية جميع الملاحظات السلبية المثبتة على العراق.
وعلى قدر معرفتنا نحن المهتمين بالشأن الاقتصادي والمالي والمصرفي في الإجراءات التنفيذية لوسائل تطبيقات السياسة النقدية، فإنَّ البنك قام بدور كبير في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز خزينة الدوله بـ (21) تريليون دينار إضافة الى مساهماته ومبادراته المتعددة لتنشيط الدورة الاقتصادية وتعزيز السيولة لدى المصارف واستمرار تسديد رواتب الموظفين ومستحقات المقاولين والمزارعين والتوصل الى إعادة مد الجسور التنسيقية بين السياستين المالية والنقدية واقتراح سياسات اقتصادية وبنيوية لإعداد الموازنات العامة للسنوات المقبلة ومحاولات إعادة الثقة بالجهاز المصرفي.
لقد أثبت البنك المركزي بقدرته الواضحة على التفاعل وتحليل معوقات العمل وخلق الظروف لتجاوز التحديات، ومع ذلك فإنَّ الطريق ما زالت طويلة لكي يتم التوصل الى بناء اقتصاد وطني سليم لذلك فإني أدعو النخب الاقتصادية الوطنية للتفاعل مع النقاط والتجارب المضيئة وإغنائها بأفكارهم ورؤاهم ومقترحاتهم لبناء اقتصاد وطني متين وجهاز مصرفي رصين، وتجاوز التحديات وتصحيح المسارات الخاطئة وبحوارات  شفافة وهادئة، لأنَّ الإساءة الى مؤسساتنا الاقتصادية الوطنية والتي حققت تجارب نجاح أثناء الصدمتين الاقتصادية والامنية التي مرت بها البلاد منذ منتصف 2014 هو إساءة
 للبلاد.