أليف شافاك تعثر على القارة الثامنة

الأحد 02 شباط 2020 143

أليف شافاك تعثر على القارة الثامنة

هدية حسين

كيف يقرأ الكبار عملا موجهاً للأطفال أو الفتيان؟ قد لا يجد بعضهم رغبة أو استجابة نفسية لذلك، لأن الحياة اتسعت أمام رؤيتهم ومرّوا بتجارب عديدة فبعدت المسافة بينهم وبين تلك المرحلة البريئة من العمر لذلك فهم يبحثون عمّا يناسب أعمارهم، لكن بعض الأسماء الكبيرة والمشهورة مثل أليف شافاك لن تخذل القارىء عندما تغير البوصلة التي عرفت بها وهي الاهتمام بالتاريخ والفلسفة والغوص بعيداً لإحياء التراث

 فمن محيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي وشمس التبريزي وعالم المتصوفة الذين يبحثون عن جوهر الحياة والحب وماهية الإنسان، وبحثها في الفلسفة القديمة القائمة على وحدة الأديان والشعوب، في روايات مثل (قواعد العشق الأربعون) و(الصوفي) وغيرهما، الى (البنت التي لا تحب اسمها) وهي الرواية التي تدور في عالم الطفولة، وجاءت بـ 159 صفحة من إصدار دار الآداب بترجمة نورا ياماتش 2019، وما إن تبدأ القراءة متسائلاً ماذا عساها أليف شافاك تقدم بعد تلك الأعمال حتى تنسى السؤال وتبحر في مغامرة البنت التي لا تحب اسمها، واسمها هو ساردونيا، الاسم الذي يسخر منه رفاقها في المدرسة ويتنمرون عليها، لذلك كرهت هذا الاسم وعجبت كيف اختار لها أبواها اسماً شكّل لها معاناة
مع الآخرين.
شافاك التي تعد من أكثر الروائيات قراءة في تركيا وترجمت أعمالها الى 35 لغة، تستدرج القارىء
منذ الصفحات الأولى ليدخل في عالم يبدو بسيطا ومباشراً أول الأمر ثم شيئاً فشيئاً يذهب الى مخيلة واسعة ومغامرة خيالية مع هذه البنت الموهوبة التي تخرج من كوكب الأرض لتبحث عن كوكب آخر غريب وعجيب، ولكن ليس قبل مجادلات عقيمة مع امها بشأن الاسم، ومعاناة طويلة مع من يسخر من اسمها، وهي كثيرة طرح الأسئلة على الأم التي تحاول من جانبها أن تجمّل لها الاسم لأنه يعني نوعاً من الأزهار، لكن ساردونيا لا تقتنع بإجابات امها، وتتساءل: (نعم ربما كان لا بد من تسمية الأطفال منذ ولادتهم، لكن كان يجب أن يتحدث الأطفال مع والديهم ويختاروا أسماءهم بعد أن يكبروا) ص22
لم تركن ساردونيا الى هذه المعاناة مع الاسم بل كانت كثيرة الأحلام، تحلم بكوكب يختار فيه كل إنسان اسمه بحرية، هل يوجد مكان كهذا؟ وبما أنها تحب درس العلوم وتفضله على باقي الدروس لأنه يمنحها فرصة لتأمل العالم الواسع، خصوصاً ما يتعلق بالأرض والقمر والسماء، وأنها سريعة الحفظ وتحفظ خرائط البلدان وألوان أعلامها وتعرف كل شيء عن بلدها تركيا، البحار والجبال والأنهار والغابات، فإن هذا الحلم هو الذي يقودها الى المغامرة العجيبة لإنقاذ الحياة في القارة الثامنة. أليف شافاك في هذه الرواية تحولك من قارىء يقرأ الى قارىء يقرأ ويشاهد ويعيش رحلة ممتعة مع ساردونيا التي تعثر مصادفة على كرة صغيرة تمثل الكرة الأرضية، موضوعة خلف صف الكتب في المكتبة التي
ترتادها، فتأخذها معها لتكتشف فيما بعد أن هذه الكرة سحرية، وأنها تحوي ثماني قارات بدل سبع، القارة الثامنة تقع في جزيرة وسط المحيط الأطلسي،
وأن طاقة هذه الكرة تضمحل إذا لم تكن بين الكتب، تعرف ذلك من خلال لقائها بأخوين، زهراء وآصوتاي، اللذين التقتهما قرب بيت جدتها وعرفت من زهراء بأنهما قادمان من بلاد بدأت تفقد خضرتها ويقل منسوب أنهارها وأنها آيلة للزوال وأن هذه البلاد تقع في القارة
الثامنة.
 أما لماذا أصبحت البلاد بهذه الحال فلأن أطفالها استعاضوا عن قراءة الكتب بالحواسيب، وتشرح زهراء لساردونيا (كلما قرأ طفل كتاباً بحب، وكلما قص أحد البالغين قصة أو حكاية، وكلما ولد رأي جديد تتفتح زهرة ويغرد عصفور في القارة الثامنة من هذا العالم أو تسيل مياه)، و (لم يعد الأولاد يقرؤون الكتب كما كانوا في الماضي، ولا يبنون أحلاماً، فهم يلعبون بالحواسيب لا غير) ص86، فالبلاد التي لا يقرأ أطفالها، ولا يحكي البالغون فيها قصصاً ستزول حتماً، تجف مياهها وتنعدم خضرتها بجفاف الأفكار، ومن هنا سعت زهراء وأخوها الى التجوال في البلدان الأخرى لجمع الأفكار والقصص لعلها تحيي بلادها قبل أن تموت.
يصبح الثلاثة، زهراء وآصوتاي وساردونيا أصدقاء، يسعون لإحياء تلك البلاد ورفدها بالأفكار والقراءات لتخضر الحياة فيها، لكن كيف الوصول الى القارة الثامنة التي تقع فيها بلاد زهراء وآصوتاي؟
إنها بعيدة جداً، وهنا تشتغل مخيلة  الكاتبة فتجد الحل بالفانتازيا، تصفر زهراء فيحط أمامهم حصانان مجنّحان، تركب البنتان واحداً وآصوتاي على الثاني فيطيران بهما في رحلة عجيبة
فيها الكثير من المخاطر والمغامرات، رحلة ليست سهلة بوصولهما الى تلك الأرض، فهناك أمور تحدث لا تشبه ما يجري في بلدان القارات الأخرى، وحين يستعصي الوصول تظهر الساحرة وتحدد لهم أربعة طرق مختلفة، طريق التراب وطريق المياه وطريق النار وطريق الهواء، وفي كل واحد من هذه الطرق عدة صعاب يجب اجتيازها، وهكذا سار الأطفال في هذه الطرق ورأت ساردونيا أسماكاً تتكلم، وطيوراً تولد من أوراق الشجر، ومنها كذلك يأتي الطعام الذي
يشتهون.
لم يتعب الثلاثة وهم يحملون الأفكار والكتب والحكايات ويتصارعون مع الصعاب التي تواجههم من أجل رفد الحياة بكل ما يحييها، وبذلك تزهر القارة الثامنة التي لا يصلها إلا الشعراء والروائيون والموسيقيون والرسامون وكل من يملك حلماً، وبذلك أيضاً تُبرز أليف شافاك أهمية وقوة الكتب في حياة الناس لما لها من تأثير على الحياة العامة وازدهارالبلدان، إذ تفتح أبواب الخيال والحلم، نعم ليلعب الأطفال بالحواسيب ولكن عليهم أن لا ينسوا تلك الحكايات والأفكار الخلاقة بين صفحات الكتب.